Alsaidia_36_Modified
الجزء ١ · صفحة ٧على ميلاده (1). لأنه الشاعر الذي - على اغترابه ونأيه عن مَعَاهِدِ رُوحِهِ في روح وَطَنِهِ الأُمِّ وَرَيْحَانته التي حُرِّمَت عليه، وحُرِمَتْ منه ـ كان ومازال مِثالًا مَثَالًا لذلك السُّمو المُستبطِن مَغاورَ المُواطَنةِ الحَقَّةِ والتديُّن الحَقِّ، مُناضِلًا - لله، وفي الله ـ ليسَ عَمَّا أراده وابتغاه من كَفَّتي الحق والعدالة لتراب وطنه و لمواطنيه أرضاً وسَمَاءً فحسب؛ بل فيما ابتغاه لقومه عِزَّةً وكرامة، كما تبدى في لموع وشمولية وغيه الاستنهاضي المستنير.
ذلك
لقد كنتُ أسِيرَ حُبِّهِ وشِعره الأخاذ طوال السنوات الثلاث التي اشتغلت فيها على مشروع تحقيق آثاره الشعرية؛ لكنني - مع ذلك ـ اعتقدتُ بأن ذلك الأشر اللذيذ لن يكون شفيعي للتمكن رُوحِياً من استلاب قُرَّائِهِ وَمُحبّيه؛ لسبب أبسط من البساطة ذاتها على البساط الشعري الذي نتداوله اليوم فيما نتناولُ تراثه الشعري على بساط تجريد دون الإلمام الموضوعي بمجموع شعره، وطنياً كان اجتماعياً، غزلاً دينياً، إلهيَّاً، مدائح نبوية، إلى غير ذلك من الأغراض
التي طرقتها آثاره الشعريَّة المُشرَعةِ على أكثر من أفق وسَمَاء.
مع
ذلك،
أستطيع القول، إنني رغم تأخر اعتقادي ذاك؛ سَبَق لي أنْ اعتقدتُ اسْتِبطَاناً، بأبُوَّته الشعريّة المُتقدِّمة تلك، وحللت عُقدة استبطاني فيما انحل من بَواطِنِ نهره الغامض، لأنَّ حَبْلَ تلك الأبُوَّةِ المُستدِق والمتين، في آن لم ينقطع لحسن الحظ - على تقطَّع سُبُل الرّحلة والرَّاحلة فيما أضْمَرَتهُ لي سلفاً بَيضَةُ الوُجُود والعَدَم مِن فَرْقٍ لم أَكُنْ لأَسْلَمَ مِن نَزَوَاتِهِ المُضْمَرَةِ لي في «أرض السر» و «جَوفِ الشعر) و (ضَعاضِعِهِ التي لم يَتضَعْضَع رُسُوخها ـ لا كما
تشيَّأْتُها بل كما شاءتها نبوءاته الشعرية الفارقة قبل ما يربو على المائة عام.
هكذا تعود الاستعارة الزمكانيَّة - ولو بعد لأي ـ إلى زمانها ومكانها المُقدَّرين لها؛ وإن تأخرنا في استنباطها واستبطانها، ناهيك عن محاولة تأويلها
(1) توافق هذه الطبعة لآثاره الشعرية مُرور 90 عاماً على رحيله.
V