الإباضية: نشأتها وعقائدها محمد حسن مهدي [دارس عن الإباضية]

Alsaidia_41_Modified

الجزء ١ · صفحة ١٠٦

106

العقائد الإيمانية في مذهب الأباضية

على أي نحو كان هذا الصنع، فمن المحتمل أن يكون صنع الصانع خلوا من الإرادة والاختيار، بحيث يصنع بطريقة قسرية جبرية، فيكون صانعاً باللزوم»، وهذا هو مفهوم الصنع لدى أصحاب نظرية الفيض، فهم يرون أن العلاقة بين الله تعالى والعالم أشبه بالعلاقة بين الشمس وأشعتها، علاقة تلازم إذ لا يتصور أن تتخلف الأشعة في وجود الشمس.

إذن فدليل الممكن والواجب لا يمكن الاقتصار عليه وحده، وإنما هو مفتقر إلى تتمة، محتاج إلى دليل آخر، لم يوفق إليه الفلاسفة، وهو التدليل على أن الله فاعل بالاختيار، وهو ما قام به العالم الأباضي (الثميني) بالفعل، وبذلك يكون قد وافق جمهور الأشاعرة وبالأخص الإمام الجويني وخالف الفلاسفة المشائيين الذين لم يهتدوا إلى إثبات أن يكون الله تعالى فاعلاً

بالاختيار.

(1)

فهذا الدليل وإن اشترك فيه الفلاسفة والمتكلمون تسمية، فقد اختلفوا فيه منهجاً ومضموناً، فالإمام الثميني اعتمد على إمكان العالم، ليصل من ذلك إلى حدوثه، وعن طريق الإمكان والحدوث انتهى إلى القطع بأن صانع العالم مختار غير مجبر في خلقه للعالم، وهذا يغاير ما ذهب إليه ابن سينا الذي جعل مبدع العالم مجبراً على الإيجاد لا في زمان، ولكن مجرد تعقل الله لذاته، يصدر منه العقل الأول … إلخ، فلا حرية ولا اختيار في وقت دون وقت ولا مكان دون مكان في نظرية الفيض المشائية الإسلامية.

(1) القول المبين، ص 156 157. قارن العقيدة النظامية في الأركان الإسلامية لـ

17، طبعة القاهرة، 1978.