الإباضية: نشأتها وعقائدها محمد حسن مهدي [دارس عن الإباضية]

Alsaidia_41_Modified

الجزء ١ · صفحة ١٠٨

108

العقائد الإيمانية في مذهب الأباضية

ولا خلاف بين المتكلمين قاطبةً والحكماء، في كونه تعالى عالماً قادراً مريداً حياً، متكلماً، سميعاً، بصيراً، وهكذا في سائر صفاته تعالى، ولكنهم اختلفوا في تحديد العلاقة بين هذه الصفات والذات الإلهية بمعنى أن اختلافهم في كون الصفات عين ذاته أو غيره، أو لا هو ولا غيره، فذهب المعتزلة والفلاسفة إلى الأول، وجمهور المتكلمين إلى الثاني، والأشعري إلى الثالث (1).

وقد آمن الصحابة - رضوان الله عليهم - بما جاء في القرآن الكريم، والسنة النبوية، متعلقاً بالذات والصفات إيماناً لا تشوبه شائبة، وقد مضى زمن النبي صلى الله عليه وسلم والمسلمون على عقيدة واحدة، هي ما جاء في كتاب الله تعالى، لأنهم كما يقول (طاش کبرى زادة: أدركوا زمان الوحي، وشرف صحبة صاحبه، وأزال نور الصحبة حبة صا. عنهم ظلم الشكوك والأوهام (2).

يضاف إلى ذلك خشية الصحابة أن يؤدي البحث العقلي الاجتهادي في مجال العقائد إلى انقسام المسلمين بعضهم على البعض الآخر، فنهوا عن ذلك، وحرصوا على توحيد الكلمة، بأن يكونوا على منهاج واحد في أصول الدين. فقد سمع الصحابة قول النبي صلى الله عليه وسلم: الله تسعة وتسعون اسماً من حفظها دخل الجنة، وإن الله وتر يحب الوتر (3). وسمعوا قبل هذا الحديث قول الله تعالى: {وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْميه) [الأعراف: 180]. ولم يشغلوا

أنفسهم، ولم يفتحوا عقولهم لنوع من الجدل أو المراء حول الذات أو الصفات. وقد أظهرنا المقريزي في خططه على موقف الصحابة من مسألة الذات والصفات في عبارة جميلة مختصرة، نصها: «من أمعن النظر في دواوين الحديث

(1) الشيخ محمد عبده بين الفلاسفة والمتكلمين، ص 278. (2) تمهيد لتاريخ الفلسفة الإسلامية للشيخ مصطفى عبد الرازق، ص 272، طبعة القاهرة، 1944. (3) الحديث أخرجه الإمام مسلم في صحيحه كتاب الذكر والاستغفار، باب أسماء الله تعالى، (622)، طبعة القاهرة.