الإباضية: نشأتها وعقائدها محمد حسن مهدي [دارس عن الإباضية]

Alsaidia_41_Modified

الجزء ١ · صفحة ١٢٥

الصفات الإلهية

125

وقد استدل الشيخ الأباضي على كونه تعالى عالماً بالنظر إلى أفعاله تعالى من ناحية الإحكام والاختيار المشاهد في الكون، فالاستدلال على علمه تعالى بالإحكام يتبين من أنه لو لم يكن عالماً لم يكن الإنسان في ذاته متصفاً با هو عليه من غاية الإحكام والإتقان، ودقائق المحاسن التي لا تنحصر، ومن جوز صدور عجائب مصنوعاته تعالى – مع كثرتها وخروجها عن حد الحصر – عن جاهل، على سبيل الاتفاق - المصادفة - كان معانداً للحق، جاحداً للضرورة.

والاستدلال على كونه تعالى عالماً من جهة الاختيار، فهو أوضح. ووجه الاستدلال به: أنه تعالى فاعل بالاختيار، والفاعل بالاختيار لا بد وأن يكون قاصداً إلى ما يفعله، والقصد إلى الشيء مع الجهل به محال، ولا يتصور القصد من الله إلا مع العلم بالمقصود، وإن كان يتصور من الحادث مع العقد والظن والوهم، فلا يتصور من الله تعالى ذلك، إذ إن اختيار الفعل بناءً على ظن ومن ثم إمكان الخطأ إنما هو نقص، يتعالى الله عنه، وهو جائز على المخلوقين، فتعين أن يكون سبحانه عالماً بكل كبيرة وصغيرة (1).

ومهما يكن من أمر، فإن مسألة العلم الإلهي ليست كما وصفها الفلاسفة، وكما حاول المتكلمون حلها، إلا مسألة أُسيء وصفها، إذ كيف يجوز للإنسان أن يتساءل إذا كان علم الله تعالى عاماً أو خاصاً، كلياً أو جزئياً، قديماً أو حديثاً، ما دام هذا العلم يختلف اختلافاً جوهرياً عن علم الإنسان، فبأي حق أو منطق نقارن بين علمين لم يكن بينهما وجه للمقارنة؟

فغاية ما يستطيع المرء أن يقوله هنا: إنه سبحانه قد أحاط بكل شيء علاً، فعلمه تعالى لا يحده زمان ولا مكان ولا تقدم ولا تأخر، ولا نقول عنه كلي ولا جزئي، بل نثبت له صفة العلم الذي يحيط بالوجود كله بدون تمثيل أو تشبيه أو تكييف.

(1) معالم الدين، ص 193 - 194.