الإباضية: نشأتها وعقائدها محمد حسن مهدي [دارس عن الإباضية]

Alsaidia_41_Modified

الجزء ١ · صفحة ١٢٧

الصفات الإلهية

127

وقد خالف الأباضية المعتزلة التي اتفقت على اعتبار صفة الإرادة من صفات الأفعال، كما اتفقت أيضاً على حدوثها، لأن أفعال الله تتصل بمخلوقات، وهذه حادثة، فمن الضروري أن تكون الإرادة حادثة بحدوثها، وقد اعتمدوا هنا على مبدئهم المعروف، وهو أن ما يقارن الحوادث حادث مثلها. وفي هذا يقول القاضي عبدالجبار: «وقال شيخنا أبو علي وأبو هاشم، ومن تبعهما: إنه سبحانه مريد على الحقيقة وإنه يحصل مريداً بعدما لم يكن، إذا فعل الإرادة، وإنه سبحانه يريد بإرادة حادثة، ولا يصح أن يريد لنفسه ولا بإرادة قديمة، وإن إرادته توجد لا في محل، إذ لا يجوز أن تكون في محل - على عكس إرادتنا - فلا يصح أن تحل في ذاته، لأن ذاته ليست محلاً للحوادث، ولا أن تحل في غيره، وإلا كان الغير أولى بإيجاب الحكم له

وهكذا فهي إرادة محدثة لا في محل، بمعنى أنها قائمة بذاتها، لا في ذاته تعالى» (1). والإرادة الإلهية عند شيخ الأباضية القلهاتي: إرادة أمر، لا إرادة حتم، فهو تعالى مريد لما أمر به، ونهى عنه، مما علم أنه يكون (2). ويفرق (الثميني) بين الإرادة والرضا من ناحية، وبين الرضا والأمر من ناحية أخرى: فليس كل ما أراده الله يرضى عنه، بمعنى أنه قد يريد الله شيئاً، ولكنه لم يرضَ عن عنه.

مثال ذلك: كفر أبي لهب، فإنه تعالى أراده، ولكنه لم يرضه ولم يأمره به، وإنما أمره بالإيمان، الذي لا يقدر أبو لهب أن يأتي به لعجزه عنه، نظراً لاشتغاله بالكفر المانع له.

لقد أخطأ المعتزلة حين ظنوا أن الأمر يستلزم الإرادة بمعنى أن كل ما أمر الله به فقد أراده، وأن النهي يستوجب عدم الإرادة، فجعلوا إيمان الكافر مراداً لله تعالى، لكونه مأموراً به، وكفره غير مراد له لكونه منهياً عنه، ولكن الأباضية ترى أن

(1)

المغني، 3/ 6، شرح الأصول، ص، ص 440، المختصر في أصول الدين للقاضي عبدالجبار، ص 196،

القاهرة 1971.

(2) الكشف والبيان، ص 261.