الإباضية: نشأتها وعقائدها محمد حسن مهدي [دارس عن الإباضية]

Alsaidia_41_Modified

الجزء ١ · صفحة ١٣٩

الصفات الإلهية

139

نفي الصفات الخبرية، وتبعهم في ذلك. من الفلاسفة (الفارابي) و (ابن سينا) حيث رأوا جميعاً استحالة اتصاف الباري حقيقة بهذه الصفات، وقالوا بوجوب تأويل ما ورد فيها من الآيات والأحاديث على نحو يليق بذات الله تعالى، واعتبروا القول بثبوتها الله على الحقيقة يعد تشبيهاً وتجسيماً، وذلك في مقابل المشبهة والمجسمة الذين اتسمت مناهجهم في ذلك بتشبيه الباري بصفات المخلوقين.

وأما الأشعرية، فالمتقدمون منهم كـ (الأشعري) و (الباقلاني) وغيرهما كانوا يثبتون هذه الصفات ويتحرجون من تأويلها الذي يقتضي نفيها عن الباري تعالى. وأول من اشتهر عنه أنه أول هذه الصفات من الأشعرية هو (إمام الحرمين)، وتبعه في ذلك جل متأخري الأشعرية - تقريباً - مثل: (الغزالي) و (الرازي) و (الآمدي) وغيرهم. فهؤلاء تشبهوا في هذه المسألة بالمعتزلة والفلاسفة، فذهبوا لا إلى نفي تلك الصفات، ولكن إلى تأويلها بمعان تليق بذاته تعالى.

ويعتبر الرازي أوضح مثل للغلو في تأويل تلك الصفات، ومعارضة مذاهب المثبتين لها، حتى إنه ألف في ذلك كتباً أسماه (أساس التقديس)، وفيه يُعنى بإقامة البراهين الكثيرة من العقل والنقل على استحالة اتصاف الباري بما يستلزم كونه جسماً أو في حيز، أو مختصاً بجهة، ويورد كثيراً من شبه الخصوم ثم يجيب عنها، ويذكر ذلك كثيراً من الآيات والأحاديث الواردة في تلك الصفات، ويأخذ في تأويلها بما يتفق مع نزعته في التنزيه، التي تظهر واضحة جلية حتى في خطبة هذا

الكتاب (1)

فالخلف - المتمثل في المعتزلة وأهل السنة - ذهب إلى وجوب تأويل هذه الألفاظ التي توهم المثلية، بتعيين المراد من النصوص الموهمة للتشبيه بما يتناسب مع تقديس الله تعالى، حيث استعملوا المجاز في كل آيات الصفات الخبرية، فصرفوا

(1) كتابنا القول السديد في أهم قضايا علم التوحيد، ص 289.