Alsaidia_41_Modified
الجزء ١ · صفحة ١٤٧الصفات الإلهية
147
العقلي، وكذلك المتأخرون من الأشاعرة الذين نهضوا لرد آراء المعتزلة سرعان ما تحولوا إلى مقالاتهم في نفي الصفات الخبرية، وتأولوها على رأيهم.
ويرجع السبب في نفي هذه الصفات لدى علماء أصول الدين إلى تصورهم لمعنى الكمال اللائق بذاته تعالى، وما يتفرع على تصور هذا الكمال من القول بالصفات نفياً أو إثباتاً. فهم لا يقصدون من وراء مقالاتهم في النفي والإثبات إلا تحقيق معنى الكمال الذي تصوروه في حق الله تعالى، إلا أنهم قد أخطؤوا في تصور هذا الكمال، وفي تفسيرهم لمعناه، إذ كان عليهم أن يفرقوا في تصورهم لهذا الكمال بين حقيقتين مختلفتين تمام الاختلاف، هما حقيقة الذات الإلهية، وحقيقة الذات الإنسانية، وبين ما ينبغي تصوره في حق الله تعالى، وحق الإنسان، فلا ينبغي أن نتخذ المقياس الذي نقيس به في عالم الشهادة، ونطبقه في عالم الغيب.
وإذا كان الله أعلم بنفسه، وبما يجب له من صفات الكمال، فما علينا في ذلك إلا أن نقبل ما وصف نفسه به بدون تأويل لمعناها، أو تحريف لألفاظها، وإذا كان الباري تعالى قد وصف نفسه بصفات، ووصف عباده بصفات، فليس معنى هذا أن حقيقة الصفتين واحدة فيهما، بل العقل والمنطق يقرران أن كل صفة تتبع موصوفها سمواً وكمالاً ورفعة، فلماذا نحاول تفسير صفته تعالى في ضوء صفاتنا نحن وتصوراتنا لها، أليس في ذلك مجانبة للصواب، ومكابرة للعقل؟
إن الاجتراء على تأويل النصوص الشرعية أمر عظيم الخطر، وإن إباحة التأويل - دون قيد أو شرط - قد تؤدي إلى كثرة التخريجات، وركوب متن الشطط، وفي هذا تمزيق للشريعة، وتعد على حرمتها كما يقول فيلسوف قرطبة (ابن رشد)، ولذلك ينبغي أن ينظر إلى هذه المسألة بحذر شديد، وألا يقبل من التأويلات إلا ما كان ظاهراً بنفسه للجميع، موافقاً لما أدى إليه البرهان، وما جرت به عادة العرب في تخاطبهم.
(1)
(1) مناهج الأدلة في عقائد الملة لابن رشد، تحقيق د. محمود قاسم، ص 174، طبعة الإنجلو، 1969.