الإباضية: نشأتها وعقائدها محمد حسن مهدي [دارس عن الإباضية]

Alsaidia_41_Modified

الجزء ١ · صفحة ١٥٠

150

العقائد الإيمانية في مذهب الأباضية

بالذات الإلهية، وترجع أهمية الرؤية عند المسلمين إلى أنهم عرفوا الله عبر النظر والاستدلال إلا أنهم لم يروه، والمعرفة بالإدراك أوضح أنواع المعارف، ولذا تاقوا لمعرفته تعالى بالرؤية، تأكيداً لما استدلوا عليه.

إن رؤية الله تعالى الذي عجزت العقول عن معرفة كنهه لهي أعظم اللذات، وهي النعيم الأبدي الذي سيكافئ الله به عباده المؤمنين، علاوة على إدخالهم جناته، جزاء طاعتهم وإيمانهم، وكانت هذه هي وجهة نظر المثبتين للرؤية في الآخرة، وهم أهل السنة، وأهل الحديث وغيرهم ممن سلك مسلكهم، فتمسكوا بإثباتها جوازاً بالعقل، ووجوباً بالنص.

ولم ينكر نفاة (الرؤية) - وهم المعتزلة والجهيمة والخوارج وغيرهم ممن سلك مسلكهم - وجهة نظر المثبتين من حيث الغاية، فرؤية الباري تعالى بالبصر أمنية كل مؤمن، ولكن هيهات للعقل أن يتصور إمكان تحقيق ذلك، فالعقل لا يقبل أن يرى من ليس بجسم مقابلاً لجهة الرائي، ويشترط عدم وجود مانع بين الرائي والمرئي

والله ليس بجسم ولا في جهة تقابل الرائي، فلن تتحقق لنا تلك الأمنية الغالية. والحق أن العقل الذي يقضي بنفي (الجسمية) واستحالة (الجهة) على الله تعالى لا يجد سبيلاً إلى إثبات رؤيته بالأبصار، وبالكيفية التي توجد عليها هذه الرؤية في الإنسان، وذلك لأنها تقتضي الجسمية والجهة سواء في الشخص الرائي، أو في المرئي، اللهم إلا إذا أخذت الرؤية بالنسبة الله تعالى بمعنى خاص لا يستقر إلا بدليل خاص أيضاً.

ومما يستوقف النظر حقاً أن نجد مفكري الإسلام الذين نزهوا الباري – تعالى – عن كل ما يجعله شبيهاً بالخلق، أو يجعل أحداً من الخلق شبيهاً به، قد انقسموا في مسألة الرؤية انقساماً أقل ما يوصف به أنه وضع بعضهم على طرفي نقيض من البعض الآخر. ففي الوقت الذي ذهب فيه المعتزلة والجهمية، والخوارج - والأباضية واحدة من فرقها - إلى نفي رؤية الله تعالى بإطلاق، نرى أهل السنة