الإباضية: نشأتها وعقائدها محمد حسن مهدي [دارس عن الإباضية]

Alsaidia_41_Modified

الجزء ١ · صفحة ١٥١

رؤية الباري تعالى

151

والجماعة وأهل الحديث يثبتونها ويجوزونها في حق الله تعالى، لأن الله بشر بها عباده المؤمنين، ولكن بدون كيفية، وفي هذا يقول ابن تيمية: «أجمع سلف الأمة وأئمتها على أن المؤمنين يرون الله بأبصارهم في الآخرة، وأجمعوا على أنهم لا يرونه في الدنيا بأبصارهم، ولم يتنازعوا إلا في النبي محمد. لأن الله تعالى ينشئ خلقه في الآخرة، فيركب أسماعهم وأبصارهم للبقاء، فيراه أولياؤه جهراً كما قال رسول الله

ولا يجد نفاة الرؤية ممن ذكرنا حرجاً في موقفهم هذا، لأنه يتسق تماماً مع نفيهم للجسمية والجهة، أو مع التنزيه المطلق الله تعالى عندهم، وإنما الحرج للآخرين من المثبتين للرؤية، وعلى رأسهم الأشعرية)، فإن موقفهم يبدو وكأنه لا يخلو من تناقض ظاهر، من حيث إنهم جمعوا على صعيد واحد بين نفي الجسمية والجهة عن الله تعالى، وبين إثبات الرؤية له، ولذا فقد كان عليهم أن يبرروا موقفهم هذا، ويقدموا تفسيراً من شأنه أن يزيل ما يبدو من تناقض، أو يستقر به مذهبهم في ثبوت

الرؤية.

والحق أنه قد وردت في القرآن الكريم والسنة النبوية نصوص تحمل ظواهرها دلالات تفسح المجال لتأويلات وتفسيرات لا تخلو من تباين، ومن ثم عدت هذه النصوص من المتشابهات، فمن هذه النصوص ما يفيد ظاهرها إثبات رؤية الله تعالى في الآخرة، وذلك مثل قوله تعالى: {وُجُوهٌ يَوْمَد نَاضِرة إلى ربها ناظرة) [القيامة: 22 - 23]. وقول الرسول صلى الله عليه وسلم: إنكم سترون ربكم يوم القيامة، كما ترون القمر ليلة البدر، لا تضامون في رؤيته (2)، وقوله: «إنكم سترون ربكم جل ثناؤه

(1) الفتاوى لشيخ الإسلام ابن تيمية، جمع وترتيب عبدالرحمن بن قاسم، (6/ 512)، طبعة الرياض،

1982

(2) فتح الباري بشرح صحيح البخاري، لابن حجر العسقلاني، كتاب التوحيد باب قوله تعالى: {وُجُوهٌ يومهلو ناضرة إلى ربها ناظرة)، (127/ 9).