Alsaidia_41_Modified
الجزء ١ · صفحة ١٥٢152
العقائد الإيمانية في مذهب الأباضية
عياناً» (1). فإذا أخذت هذه النصوص على أنها قاطعة برؤية الله في الآخرة، فإن من النصوص ما يفيد نفي الرؤية، وذلك مثل قوله تعالى: (لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَرُ وَهُوَ
يُدْرِكُ الأَبْصَرَ) [الأنعام: 103]. وقول الرسول صلى الله عليه وسلم: «نور أني أراه» (2).
ولقد حاول كل فريق من المتكلمين أن يستدل على مذهبه في الرؤية إثباتاً أو نفياً بالنصوص التي تدعم موقفه، ثم يؤول الآيات التي يحمل ظاهرها دلالات تتعارض مع هذا الموقف، ومما لا شك فيه أن مسألة الرؤية تبلغ من الصعوبة حداً لا يخول لأي فرقة من الفرق الإسلامية أن تدعى بأن الحق كله في هذه المسألة إلى جانبها، وأن الباطل كله يلزم الفرقة الأخرى، وذلك راجع إلى صعوبة المسألة، فالعقل الإنساني يصعب عليه أن يقطع فيها برأي حاسم لا مرد له (3).
وقد عبر الإمام الجويني عن هذه الصعوبة بقوله: «القول في جواز الرؤية، قد طال فيه ارتباك طبقات الخلق، وقد حسبه الآخذون ببعض العلم من الجليات والانتهاء إلى درك القطع فيه عسير جداً، فإن الإحاطة بحقائق الإدراكات من أدق أحكام المعقولات (4).
هذا، وإذا كان المتكلمون قد انقسموا على أنفسهم تجاه النصوص الدينية التي ورد فيها ذكر رؤية الله تعالى لعباده المؤمنين يوم القيامة، إلا أن الصحابة و قد آمنوا بها كما وردت مع نفي التشبيه عنه سبحانه وتعالى، ومن غير أن يخوضوا في البحث عن كيفية هذه الرؤية، وقد سار على منوالهم التابعون لهم بإحسان، والسلف الصالح من الفقهاء المجتهدين من بعدهم، وأهل الحديث، فهؤلاء جميعاً اتفقوا على
(1) فتح الباري بشرح صحيح البخاري لابن حجر العسقلاني، كتاب التوحيد باب قوله تعالى: (وجوه يَوْمَزِ نَاضِرة إلى ريها ناظرة)، (127/ 9). (2) الحديث ورد في صحيح مسلم بشرح النووي (123)، باب ما جاء في رؤية الله تعالى. (3) کتابنا ابن رشد وفلسفته الإلهية، ص 515 - 517، طبعة الصفا والمروة، 1997. (4) العقيدة النظامية للجويني، تحقيق د. السقا، ص 39، طبعة القاهرة، 1978.
"