Alsaidia_41_Modified
الجزء ١ · صفحة ١٥٤154
العقائد الإيمانية في مذهب الأباضية
عنه في الدنيا والآخرة، وفي هذا يقول شيخ الأباضية المتأخرين (الثميني): وعند أصحابنا الأباضية: من قال إنه يُرى في الدنيا فقد أشرك، ومن قال إنه يُرى في الآخرة فقد نافق» (1).
ويرجع سبب نفي الأباضية للرؤية إلى أنهم قاسوا الغائب على الشاهد، كما فعل المعتزلة، إذ الرؤية بحاسة البصر في الشاهد لا يمكن أن تتحقق إلا بشروط كأن يكون المرئي في مكان، وأن يكون مقابلاً للعين في جهة، وأن تكون المسافة بين الرائي والمرئي متناسبة، وأن يتصل شعاع من البصر بالمرئي، فشرائط الرؤية هذه يستحيل تحقيقها بالنسبة لذات الله تعالى، لأنها تقتضي أن يكون المرئي مادياً في مكان، وله جهة، وهذا يستدعي الاحتياج والحدوث، والباري تعالى منزه عن ذلك. فالأساس الذي بنى عليه الأباضية نفي الرؤية هو نفي الجسمية عن الله تعالى فالله ليس جسماً، ولا يرى إلا الأجسام، فهو لا يُرى. فالأباضية - وكذلك المعتزلة - ليس لديهم إلا مفهوم واحد للرؤية لا تُفسّر إلا به، وهو مفهوم يستمد مشروعيته من قلب الواقع، وما عليه حال الرؤية في الإنسان، ومن ثم فإنها لا تخرج عندهم عن كونها نوعاً من الإدراك الحسي، يرتبط بالجانب المادي لهذا الوجود، وهو الجانب الذي ينتظم الموجودات المحسوسة، سواء كانت جواهر أو أعراضاً، أما الجانب المجرد لهذا الوجود، وهو الذي ينتظم الموجودات المجردة اللامادية، سواء كانت ذوات، أو كانت معاني ومدركات عقلية، فهو خارج عن دائرة الإدراك الحسي كلية، ومن ثم فلا تتعلق الرؤية بشيء من هذه الموجودات التي يصح تعلق العلم بها. (ومن ثم فإن الرؤية ليست علماً ولا معنى مما يتعلق بالذات الإلهية تعلق العلم بها، وإنما هي إبصار يقتضي حاسة تكون أداة، له وشيئاً مرئياً ذا مواصفات تجعله قابلاً لأن يُرى (2).
(1) معالم الديني للثميني (292). قارن إسلام بلا مذهب، ص 137. (2) معالم الدين (31/ 2 - 36). الكشف والبيان، (1/ 153 - 154). شرح الأصول الخمسة، ص 252، 255، 262. المغني، (51/ 4 - 55).