الإباضية: نشأتها وعقائدها محمد حسن مهدي [دارس عن الإباضية]

Alsaidia_41_Modified

الجزء ١ · صفحة ١٥٦

156

العقائد الإيمانية في مذهب الأباضية

وقد جزم شارح الطحاوية بأن معنى قوله في حديث أبي ذر: «نور أنَّى أراه»، النور الذي هو الحجاب يمنع من رؤيته فأنى أراه»، أي كيف أراه والنور

حجاب بيني وبينه يمنعني من رؤيته؟ ثم قال فهذا صريح في نفي الرؤية (1). كما استدلوا بحديث مسروق عن عائشة، حيث قال: كنت متكئاً عند عائشة - رضي الله عنها - فقالت: ثلاث من تكلم بواحدة منهن فقد أعظم على الله الفرية، قلت: ما هن؟ قالت: «من زعم أن محمداً رأى ربه فقد أعظم على الله الفرية» (2). ووجه الاستدلال بهذا الحديث - عندهم - هو: أن مقالة عائشة هذه صريحة بالبراءة ممن قال بذلك، لأن عظم الفرية على الله فسق اتفاقاً، وحينئذ يلزم إما كذب القول بأن محمداً رأى ربه، وإما تضليل عائشة - رضي الله عنها - حيث فسقت قائلاً بصدق على صدقه، وكما يقول السالمي: لا محل للاجتهاد هنا، لأنه ليس للمجتهد أن يفسق من خالفه في اجتهاده إذا كان محل الاجتهاد ظنيا (3).

ومن الأدلة العقلية التي يقدمها الأباضية لإثبات أن الرؤية مستحيلة في حقه تعالى، وأنه ليس لأحد من الخلق أن ينظر إليه جهرةً، لا في الدنيا ولا في الآخرة، أن الأبصار لا تدرك إلا الأجسام المحدثة، أو ما يكون في معنى من معانيها جسماً، والمحدود لا يكون إلا جسماً أو هيئة الجسم، والجسم صنعه صانع، وكل مصنوع فله صانع، والصانع لا يشبه المصنوع، فمن زعم أنه يُرى جهرةً، فقد زعم أنه محيط بالله، لأن الأبصار إذا رأت شيئاً فقد أحاطت بما رأت، وعليه وقعت، والله تعالى منزه عن ذلك)

(4)

(1) شرح العقيدة الطحاوية، لابن أبي العز الحنفي تحقيق د. عبدالرحمن عميرة، ص 200، طبعة

الرياض، 1982.

(2) الحديث رواه الإمام مسلم في صحيحه (1/ 159)، كتاب الإيمان.

(3) مشارق أنوار العقول للسالمي، ص 190.

(4) الكشف والبيان (1/ 154).