الإباضية: نشأتها وعقائدها محمد حسن مهدي [دارس عن الإباضية]

Alsaidia_41_Modified

الجزء ١ · صفحة ١٥٨

158

العقائد الإيمانية في مذهب الأباضية

الجنة، وهم يطمعون. فما يدل على أن النظر في هذه الآية بمعنى الانتظار، تقديم (إلى ربها)، أي لا تنظر إلى الله على معنى أنه يفيد الحصر والاختصاص، ولو كان من نظر العين لا نحصر نظرهم في ذات الله تعالى. ومعلوم أنهم ينظرون إلى أشياء كثيرة، ويدل على ذلك أيضاً، ذكر لفظ (تظن) في قوله: (وَوُجُوهٌ يَوْمَيذٍ بَاسِرَةٌ تَظُنُّ أَن يُفْعَلَ بها فاقرة)) (القيامة: 24 - 25] في مقابلة لفظ (ناظرة)، أي تتوقع أن يفعل بها فعل شديد فظيع يقصم فقار الظهور، كما ترتجي الوجوه الناظرة إلى ربها أن يفعل فيها كل خير، ومما يدل على ذلك أيضاً أن فاعل (تظن) هو الوجوه، ومعلوم أن الوجوه لا تظن، وإنما تظن القلوب

(1)

•

وأما الأحاديث التي تمسك بها المثبتون للرؤية، فيرى الأباضية أنها أحادية، وتقبل التأويل لتنطبق على الآيات، ولأنه يلزم من يقول بالرؤية إثبات الجهة الله

(2)

تعالى، وهو باطل ففي حديث: «إنكم سترون ربكم … » يمنع الأباضية المعنى الحقيقي لظاهر الحديث، لجواز أن يكون المراد به ازدياد العلم. وفي بعض روايات هذا الحديث: سترون ربكم عياناً»، أي يقيناً، يقوم مقام العيان، ويصرح الثميني أن هذا الحديث إذا حمل على المعرفة استقام الكلام، وصح المعنى، فيكون المقصود أنهم يعرفون ربهم معرفة جلية لا لبس فيها، وهي في الجلاء والظهور، كإبصارهم القمر إذا امتلأ واستوى.

(3)

ومهما يكن من أمر، فإن مسألة الرؤية قد ارتبطت عند الأباضية - كما ارتبطت عند المعتزلة كذلك - بالتنزيه، فالله الذي ليس كمثله شيء لا يجوز أن يكون جسماً

(1) معالم الدين، ص 30 - 35. أيضاً: انظر: المحيط بالتكليف للقاضي عبدالجبار تجد تأويلاً قريباً من تأويل الأباضية، ص 214. شرح الأصول، ص 245. (2) العقود الفضية في أصول الأباضية، للحارثي، ص 286. قارن الصلة بين مذهب المعتزلة ومذهب الأباضية، ضمن كتاب التراث اليوناني في الحضارة الإسلامية .. د. بدوي، ص 204.

(3) معالم الدين (362). الكشف والبيان، (1/ 156 - 157).