الإباضية: نشأتها وعقائدها محمد حسن مهدي [دارس عن الإباضية]

Alsaidia_41_Modified

الجزء ١ · صفحة ١٦١

تمهيد

الفصل الرابع

أفعال العباد بين الجبر والاختيار

هذه المسألة بحثت قديماً وحديثاً تحت مسميات عدة، كالجبر والاختيار، أو حرية الإرادة»، أو «القضاء والقدر»، أو «أفعال العباد»، وهذه المسميات كلها في معنى واحد، وإن لم تكن مترادفة على وجه الدقة ولكن البحث في أي منها لا بد أن يتطرق

ليشملها، وهو أن كل ما يحدث من أفعال، هل هو حر في إحداثه أم مجبور فيه؟ فإذا أثيرت هذه المسألة في أي وسط كان فإنها تقسمه إلى قسمين، فمنهم من ينكر على العبد حريته وإرادته، فيجعله مُسيَّراً لا شأن له في خلق أفعاله التي حددت له تحديداً أبدياً لا سبيل إلى تعديله أو تحويره، ومنهم من يثبت للعبد حرية الإرادة، ويجعله قادراً على خلق أفعاله.

ومسألة القدر، أو الجبر والاختيار ليست وليدة البيئة الإسلامية، أو الفكر الإسلامي فحسب، وإنما هي ظاهرة نفسية عامة، خاض فيها أصحاب الفلسفات والديانات القديمة، وانتقلت عدواها إلى محيط البيئة الإسلامية عن طريق المؤثرات الأجنبية، فقد أثارها فلاسفة الإغريق من قبل، فالأبيقوريون (1): يرون أن الإرادة

(1) الأبيقوريون: هم أتباع أبيقورس، (341 - 270 ق. م)، أنشأ مدرسة خاصة بفكرته التي تعتبر أن الحياة هي اللذة.