Alsaidia_41_Modified
الجزء ١ · صفحة ١٦٣أفعال العباد بين الجبر والاختيار
163
أما بعد انتقال الرسول الله إلى الرفيق الأعلى، واختلاط المسلمين بغيرهم، فقد اختلف الحال وبدأت تظهر في عهد الصحابة البذور الأولى للكلام في القدر، فكانوا ينهون عن البحث والجدال فيه، وكانوا يرون أن الإيمان بالقدر يقتضي الاستسلام لأمر الله تعالى. واتخذ هذه الطريقة التابعون وتابعوهم، فكانوا امتداداً لمنهج الصحابة له، وحاربوا الآراء الشاذة التي أعلنها غيلان الدمشقي) و (جهم بن صفوان)، لأنهم فهموا الصلة الوثيقة بين المشيئة الإلهية والإرادة الإنسانية، فأثبتوا أن الإنسان مسؤول حر في اختياره لأفعاله، لكنه مع هذا الاختيار لا يستقل بعمله عن القدرة والمشيئة، وهذا الطريق هو. ما سلكه عمر بن عبد العزيز له في مناقشته
(1)
لغيلان الدمشقي وأمام مقاومة الصحابة والتابعين لهذا الانحراف في التفكير، لم يكتب لهذه البذور أن تتطاول حتى جاء عصر بني أمية، وتحولت هذه الأفكار من خلال أقوال دعاتها والمروجين لها إلى نحلة لها متبعوها ودعاتها (2).
(3)
ويظهر أن بني أمية كانوا يكرهون بوجه عام القول بحرية الإرادة لاعتبارات دينية وسياسية، لأن القول بالجبر يخدم سياستهم، فهم يقولون إنهم جاؤوا بقضاء الله تعالى وقدره، وإذن يجب على المسلمين طاعتهم والخضوع لهم. ومن هنا وجد بعض الذين ليس للدين حريجة في نفوسهم، في القدر اعتذاراً عن مقابحهم وتبريراً لمفاسدهم، فساروا فيما يشبه الإباحية وإسقاط التكليف)
(1)
(4)
منهج علماء الحديث والسنة في أصول الدين، د. مصطفى حلمي، ص 35 - 37، طبعة دار الدعوة، 1982، وهو الحوار الذي دار بين عمر بن عبدالعزيز وغيلان الدمشقي. (2) دراسات في علم الكلام والعقيدة، د. جميل أبو العلا، ص 78، طبعة القاهرة، 1984. (3) في الفلسفة الإسلامية منهجه وتطبيقه، د. إبراهيم مدكور (932)، طبعة دار المعارف، 1983. قارن الإسلام والعقل، ص 137. أيضاً: التفكير الفلسفي في الإسلام، د. عبد الحليم محمود، ص 145 146، طبعة دار المعارف، 1984، وقارن كتابنا القول السديد، ص 374. (4) تاريخ المذاهب الإسلامية، للشيخ محمد أبو زهرة، ص 111 - 112، طبعة دار الفكر العربي.