الإباضية: نشأتها وعقائدها محمد حسن مهدي [دارس عن الإباضية]

Alsaidia_41_Modified

الجزء ١ · صفحة ١٦٤

164

العقائد الإيمانية في مذهب الأباضية

والحق أن تشجيع الأمويين القول بالجبر ليس راجعاً إلى أمر يتصل بالعقيدة، بل يتصل اتصالاً حقيقياً بالسياسة، وذلك لأنهم يشعرون أنهم قد اغتصبوا الملك من العلويين، وأن في هذا خطورة على دولتهم ما لم يشعروا الجمهور بأن هذا قدر الله الأزلي الذي لا يمكن تغييره

ومهما يكن من أمر، فإنه قد ظهر في عهد بني أمية من الآراء حول العقيدة ما يمكن أن يعد أساساً لأصول الفرق الكلامية فيما بعد، مثل (الجبرية) و (المعتزلة) و (أهل السنّة)، وهؤلاء تناولوا هذه المسألة على أساس عقلي جديد.

ومبلغ علمي، أنهم لجؤوا إلى هذا النوع من أسلوب التشدق العقلي لمجاراة الحياة بعد مرحلة الاختلاط بالتيارات والثقافات الوافدة من بلاد اليونان والفرس، فقد كانت ثقافات صاخبة بألوان الفلسفة والجدل المنطقي المنظم، فكان لا بد من الإفادة من هذه الثقافات واستخدام الأ الأسلحة نفسها في المعارك الجدلية التي عاش فيها المتكلمون.

والحق أن علم الكلام قد استطاع أن يقيم صرح العقيدة الإسلامية على ركائز راسخة مدعمة بأقوى الحجج والأدلة، بل إن علم الكلام استطاع أن يقوم بواجبه كاملاً في مواجهة الفلسفات والتيارات التي كانت تتسلل إلى الإسلام في خفاء، أو في مواجهة صريحة، ومع هذا فإنه فيما يتعلق بهذه المسألة لم يستطيع أن يقول الكلمة التي لا تساؤل معها، أو يضع أيدينا على حل تطمئن إليه النفس وتقر به العين، بل إن علماء الكلام تنازعوا حولها، ولم يتفقوا فيها على كلمة واحدة، وما كان لهم أن يتفقوا، إذ هي من المسائل الكبرى، وأعظمها تشعباً وتفرعاً، وأكثرها إثارة للشبهة والحيرة، فإنها تتعلق بصفات الله تعالى وأفعاله من الأمر والنهي والوعد والوعيد، وهي داخلة في خلقه وأمره وثوابه وعقابه (1)

(1) انظر كتابنا ابن رشد وفلسفته الإلهية، ص 541، طبعة الصفا والمروة، 1997.