الإباضية: نشأتها وعقائدها محمد حسن مهدي [دارس عن الإباضية]

Alsaidia_41_Modified

الجزء ١ · صفحة ١٦٥

أفعال العباد بين الجبر والاختيار

165

فهذه المسألة من الأمور المتشابهة التي يحسن فيها التسليم وعدم الخوض فيها لاستعصائها على الحل، وفي هذا يقول الدكتور عبد الحليم محمود: «إن مسألة القدر من المتشابه، بل إنها من أهم مسائل المتشابه، وهي فضلاً: عن ذلك عصية على الحل، أبية على الاتفاق، إنها ليست قابلة للحل، سواء أثيرت في الشرق أو في الغرب، وسواء أثيرت في القديم أم في الحديث، أو أثيرت في البادية أو في الحضر، إنها مفرقة بين الباحثين فيها، ومهما طال الجدل بينهم فسوف لا ينتهون إلى نتيجة، ومن أجل ذلك كانت الروح الإسلامية العامة تحرم الخوض فيها (1).

ومهما يكن من أمر، فإن هذه المسألة قد بدأت تتسلل شيئاً فشيئاً إلى المجتمع الإسلامي، حتى احتلت مركز الصدارة في الفكر الإسلامي، واتخذت شكلاً مذهبياً مختلفاً، وظهرت فيها الآراء وتضاربت، حتى كانت من أمهات المسائل التي ساعدت في نشأة علم الكلام وتكوينه، حيث قامت باسمها مدارس فكرية متميزة، وبقيت هذه المدارس نتنوع وتتعدد على مر الزمن.

ومن هذا المنطلق وجدت المذاهب سبيلها إلى التعدد والتشقق بقدر ما وجدت

(2)

هذه المذاهب المتنافرة أدلتها التي تؤيد بها ما ذهبت إليه. فقال قوم: إن العبد خالق لأفعاله الاختيارية، اتفاقاً مع التكاليف وما يترتب عليها من ثواب وعقاب، وذكروا لمذهبهم هذا من الأدلة النقلية والعقلية ما يعضده. وقال آخرون: إن العبد مجبور، لا سلطان له في شيء من أفعاله، موافقة منهم لمبدأ انفراد الله تعالى

(1) الإسلام والعقل، ص 159 - 160. قارن كتابنا القول السديد في أهم قضايا علم التوحيد،

(2)

ص 375.

نعني بهذا القوم فرقة القدرية والمعتزلة انظر: كتابنا القول المبين، ص 375 - 397. (3) نعني بهذا القوم (الجبرية) بزعامة جهم بن صفوان انظر هذا المذهب وأدلته في كتابنا: القول المبين،

ص 359 - 374.