الإباضية: نشأتها وعقائدها محمد حسن مهدي [دارس عن الإباضية]

Alsaidia_41_Modified

الجزء ١ · صفحة ١٨

18

الأباضية نشأتها وفرفها

فالمتأمل لتلك الآيات يتضح له أن هؤلاء المنافقين بالغوا في عذرهم، وقد

حدث هذا في زمنه ولكن المنافقين هم المنافقون في كل زمان ومكان، يُخَدِعُونَ اللهَ وَهُوَ خَدِعُهُمْ} [النساء: 142]، فيظهرون الإسلام للناس ويبطنون الكفر عليهم، وكان يظهر نفاقهم بالاعتراض في كل وقت على حركاته وسكناته، فصارت الاعتراضات كالبذور، وظهرت منها الشبهات كالزروع

(1)

ولكن ذلك كله لم يكن ذا أثر بين وواضح في افتراق الأمة بعد هذا إلى فرق شتى، يكفر بعضهم بعضاً، يضاف إليها بعض الاختلافات بعد انتقاله إلى الرفيق الأعلى، وإن كانت تعد اختلافات اجتهادية، فأصحاب الرسول صلى الله عليه وسلم على عقيدة واحدة وطريق واحد، ولم يكن أحدهم ليختلف عن الآخر إلا في فهم أوتيه في كتابه الله أو سنة رسوله و يعترضه على أخيه، فإن لم يكن عنده ما يدفعه من سنة أو فهم في كتاب أو سنة، رجع إلى قول أخيه وتقبله أحسن القبول، إلا قوماً كانوا يبطنون النفاق، ويظهرون الوفاق.

وإذا أنت نظرت فيما اختلفوا فيه، وجدتهم قد اختلفوا في أمور اجتهادية لا يوجب الخلاف في أحدها إيماناً ولا كفراً، بل لا يوجب الخلاف فيها كلها إيماناً ولا كفراً، ووجدت أنه قد كان غرض كل واحد من المختلفين في كل مسألة منها إقامة راسم الدين وإدامة مناهج الشرع القويم، بل أنت تجدهم قد اختلفوا في بعض هذه المسائل والرسول بين أظهرهم لم يفارق هذه الدنيا.

ثم جاء من بعد عصرهم - رضوان الله تعالى عليهم - قوم استغلوا أحياناً اختلاف الصحابة في بعض المسائل واتخذوا من هذا الخلاف سبيلاً يسلكونه إلى تفريق كلمة هذه الأمة، وراحوا يلتمسون لبعض وجهات النظر أدلة لم يقتنع بها

(1) الملل النحل للشهرستاني، تحقيق: محمد سيد كيلاني (1/ 21 - 22)، طبعة الحلبي، 1976،

بتصرف.