الإباضية: نشأتها وعقائدها محمد حسن مهدي [دارس عن الإباضية]

Alsaidia_41_Modified

الجزء ١ · صفحة ١٩

19

الذين خالفوا هذا الاتجاه في العصر السابق، بل لعل الذين كانوا يرون هذا الاتجاه قد عدلوا عنه ولم يبقوا متمسكين به إما اقتناعاً بما استدل به من خالفهم، وإما إبقاء على وحدة الأمة واستمساكها بالإيلاف الذي امتن الله تعالى به عليهم، إذا لم يكن في أحد الرأيين ما يخالف نصاً من كتاب أو سنة صريحة، وهم بذلك يضربون أبرع المثل لفناء الفرد في الجماعة الصالحة (1).

فالصحابة – رضوان الله عليهم - لم يحدث منهم أن أحداً سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن شيء لم يتكلم فيه، وما حدث أن اختلف واحد منهم في مجلس رسول الله صلى الله عليه وسلم في فهم آية من كتاب الله تعالى، وفي هذا المعنى يقول المقريزي في خططه: «من أمعن النظر في دواوين الحديث النبوي، ووقف على الآثار السلفية، علم أنه لم يرد قط من طريق صحيح ولا سقيم عن أحد من الصحابة لا لله على اختلاف طبقاتهم، وكثرة عددهم أنهم سألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم عن معنى شيء مما وصف الرب سبحانه به نفسه الكريمة في القرآن الكريم، أو على لسان نبيه محمد صلى الله عليه وسلم بل كلهم فهموا معنى ذلك، فأثبتوا بلا تشبيه، ونزهوا بلا تعطيل» (2).

وهذا النص - وغيره من النصوص التي تُظهر عدم اختلاف الصحابة – وإن أكد على خلو هذا العصر من الخلاف، فإنما يعني الخلاف في أصول العقيدة، ولكن يمنع من الاختلاف الناشئ عن الاجتهاد، واختلاف وجهات النظر، التي كانت تحسم في وقتها، ويعود الجميع إلى الوفاق، فهذه الخلافات كانت تهدف إلى توطيد الشريعة، وإقامة مراسم الدين، وقد جرت ضمن منهج الإسلام في إباحة الاجتهاد واستعمال العقل، حيث رفع الإسلام من شأن العقل، وحث المسلمين على استعمال عقولهم، ومدح أولي الألباب، وذم الذين يهملون عقولهم. ولم تذكر كتب المقالات

(1) مقالات الإسلاميين واختلاف المصلين، للإمام أبي الحسن الأشعري، تحقيق: محي الدين

عبد الحميد، (1/ 34)، طبعة القاهرة.

(2) الخطط للمقريزي (1/ 180)، طبعة القاهرة.