الإباضية: نشأتها وعقائدها محمد حسن مهدي [دارس عن الإباضية]

Alsaidia_41_Modified

الجزء ١ · صفحة ١٧٢

172

العقائد الإيمانية في مذهب الأباضية

ونحن من جانبنا لا نتفق مع هذا الرأي القائل: إن منشأ الخلاف هو التعارض في النصوص الشرعية، إذ الأمر ليس كذلك، فالموضوع من الأهمية بمكان، ولا بد من نظرة شاملة إلى النصوص، لأن الله تعالى يستحيل عليه أن يُنزل قرآناً يعارض بعضه بعضاً، وإنما قصر الفهم لدى الإنسان جعله ينطلق إلى هذا التقسيم وإثبات التعارض، أما من أراد النظرة الشاملة التكاملية في القرآن الكريم والأحاديث النبوية الشريفة، فإنه يصل إلى نتيجة تخالف هذا التقسيم، وهذا التعارض.

فالجبر الذي تنطق به الآيات والأحاديث، إنما يتجه للجانب الجبري من حياة الإنسان، فالإنسان له جانب جبري، وجانب اختياري، والآيات تتناول علاقة الإنسان بربه، من حيث هو إله ورب كل شيء، قال تعالى: ﴿وَلَهُ مَن فِي السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ كُلٌّ لَّهُ، فَيَتُونَ﴾ [الروم: 26]، فالآية الكريمة تعتبر كل من في السموات والأرض قانتا لله تعالى، ولا يتنافى ولا يتعارض مع كون الإنسان مختاراً في حالات وجوانب أخرى.

فالكافر وإن كان عاصياً الله تعالى، وفاسقاً عن أمره صدوراً عن الجانب الاختياري في حياته فإنه خاضع له وقانت له ومجبور ومسير لقدرته ومشيئته تعالى صدوراً عن الجانب الجبري، حيث إنه يعيش بنفس الناموس والطبيعة التي أرادها الله له، لذلك فالتعارض الذي أثير يتلاشى أمام الحقائق القرآنية، إذا كان هناك تدبر وتفكر، إن الفرق المتنازعة كانت تضرب كتاب الله بعضه ببعض عن جهل أو سوء قصد وتوهم، بينما آيات الله الكونية والقولية لا تتعارض مطلقا (1).

فمسألة القضاء والقدر، أو الجبر والاختيار يجب أن تكون عامل لقاء ووحدة بين جميع المسلمين، لأن المنهج واحد يؤمن به جميع المسلمين، والاختلاف بين المسلمين في رؤية هذه المسألة ناتج عن الزوايا المختلفة التي ينظرون من خلالها إلى

(1) كتابنا ابن رشد وفلسفته الإلهية، ص 546 - 547.