الإباضية: نشأتها وعقائدها محمد حسن مهدي [دارس عن الإباضية]

Alsaidia_41_Modified

الجزء ١ · صفحة ١٧٣

أفعال العباد بين الجبر والاختيار

173

هذه المسألة، لذلك وإن اختلفت الآراء حول هذه المسألة، لا بد من إطار يحوي

جميع هذه الآراء، ضمن ما يحمله منهج الله تعالى.

فالذي يتصفح المذاهب في مسألة (أفعل العباد لا يسعه إلا رفض مذهب الجبر المحض رفضاً تاماً، فإن هناك فرقاً واضحاً بين الإنسان والحيوان، وهذا الفرق هو العقل الذي كرّم الله به بني الإنسان، وعليه مدار التكليف، كما أن هناك تفرقة ضرورية بين الفعل الاختياري، والفعل الاضطراري، والعقل والاختيار هما أساس

المسؤولية الشرعية، وهذا الأساس تقوم عليه حرية الإنسان في الترك والفعل. فالمذهب الجبري ظاهر البطلان والفساد لمخالفته النصوص المحكمة، ولأنه لو لم يكن للعبد فعل اختياري أولاً لما صح تكليفه، مع أنه مكلف بالعبادات، ولما ترتب استحقاق الثواب والعقاب على أفعاله، مع أن استحقاق الثواب والعقاب على العمل ثابت بالنصوص القطعية، ثم إن إنكار القدرة والإرادة والاختيار في جميع أفعال العباد إنكار لما هو بديهي بالوجدان. وأما تعلق علمه تعالى وإرادته بفعل العبد أزلاً لا يجعل العبد مجبوراً في أفعاله، ولا يسلب قدرته وإرادته، لأن صفتي العلم والإرادة ليستا من صفات التأثير، بل الله تعالى قد علم أزلاً أن العبد يختار أفعاله، فرجحت إرادته تعالى أزلاً وجود الأفعال فيما لا يزال، وما تعلقت قدرته تعالى بأفعال العبد إلا بعد علمه تعالى أن العبد يختارها ويصمم عليه، فعلم الله تعالى - أزلاً بهذه الأفعال، وأن العبد يكون مختاراً فيها - محقق لاختيار العبد لا سالب له (1).

كما نرفض قضية (لا قدر والأمر أُنف) التي قالت بها القدرية الأولى، فإن علم الله تعالى لا يعزب عنه شيء، وهو محيط شامل غير مكتسب، ولا يسبقه خفاء، ولا يعتريه جهل، ومع ذلك فهو انكشاف لا تأثير، والإنسان وسط هذا الكون ليس

(1) كتابنا القول المبين، ص 427.