Alsaidia_41_Modified
الجزء ١ · صفحة ١٧٤174
العقائد الإيمانية في مذهب الأباضية
مطلق السراح، يهيمن على الوجود، ويسيطر على الكائنات، بل هو: محكوم بنواميس ثابتة حوله تحيط به، وتقع عليه، ويسير في فلكها، فالليل والنهار، والصيف والشتاء، والشمس والقمر والنجوم … إلخ كلها مخلوقة الله تعالى مسيرة بإرادته، لا ينفك عنها الإنسان، وجميع هذه الأمور ليس يكلف بها الإنسان ولن يحاسب عليها، ولا يعتريه مدح أو ذم بسببه، فهي خارجة عن نطاق المسؤولية الإنسانية.
!
أما التكليف، والأمر والنهي، والشرائع والأحكام فهي وحدها التي يقف الإنسان حيالها مختاراً، يفعل ما يشاء ويترك ما يشاء، بما منحه الله من طاقات، وما هيأ له من أسباب، وما مكن له من قوى، وقد أراد الله تعالى للإنسان هذا الموقف، وكلفه على هذا الأساس، وفي كلا الحالين أمام التكليف الشرعي بالإيمان أو الكفر، والطاعة أو المعصية، لا يخرج عن المراد، لأن الله تعالى قد منحه الحرية، ولو شاء الله سلبها منه ما منعه أحد، لكنه جل شأنه لم يشأ للإنسان الجبر المحض، وعلى هذا يجب علينا أن نفرق بين القضاء الكوني الجبري، والقضاء الشرعي الاختياري، فنحن مطالبون بالشرعي منه، وليس الكوني، فإنه خارج عن نطاق التكليف الشرعي للإنسان (1).
وأما المعتزلة: فقد أجمعوا على أن الخالق لأفعال العباد الاختيارية هم العباد ولم تتعلق بها قدرة الله تعالى، بل الله أوجد العبد وخلق له قدرة وإرادة، فإذا أراد العبد فعلاً أوجد فعله بقدرته، وعللوا ذلك بقولهم: إن العبد لو لم يكن موجداً لأفعاله بقدرته ما كلف بها وأثيب وعوقب عليها، لأن الإنسان لا يكلف بفعل غيره، ولا يثاب ويعاقب على ما لم تتعلق قدرته بوجوده، لكنه كلف بها وأثيب
وعوقب عليها.
(1) كتابنا القول المبين، ص 462.