Alsaidia_41_Modified
الجزء ١ · صفحة ١٧٥أفعال العباد بين الجبر والاختيار
175
وهدف المعتزلة من هذا القول هو إثبات الكمال الله تعالى، وتنزيهه عن كل نقص، وقد رأوا أن أفعال العباد فيها الظلم والشر، ورأوا أن الله تعالى لو فعل الظلم كان ظالماً، ولو فعل الشركان شريراً، وهذا محال على الله، لأنه كامل غاية الكمال، ورأوا أن العدالة تقتضي أن يكون العباد هم المحدثين لتصرفاتهم، والخالقين لأفعالهم، تحقيقاً لمبدأ الحرية، الذي على أساسه تصبح التكاليف وتقوم المسؤولية، ويكون الثواب والعقاب والمدح والذم.
والخطأ الذي وقع فيه المعتزلة: هو قياسهم أفعال الله على أفعال العباد، وهو قياس للغائب على الشاهد، وهذا القياس فضلاً عن أنه قياس فاسد في باب (العقائد) فإنه قياس مع الفارق، إذ إن العباد واقعون تحت شريعة، فقياس أفعالهم بمدى مراعاتهم أو مخالفاتهم لتلك الشريعة، وليس كذلك الله، إذ ليس فوقه مبيح أم ح أو حاظر، ولقد صدق الله إذ قال: ﴿لَا يُسْتَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْتَلُونَ﴾ [الأنبياء: 23]. فمذهب المعتزلة إذن غير جدير بالقبول، لما فيه من الشطط، والغلو في حرية الإرادة الإنسانية، فمذهبهم هذا يقضي لا محالة إلى إنكار تدخل الإرادة الإلهية في فعل العبد.
وأما الأشاعرة: فقد حاولوا أن يقفوا موقفاً وسطاً في هذا الأمر، إلا أن التوفيق لم يحالفهم فهم يقولون: إن أفعال العباد الاختيارية مخلوقة الله ومرادة له، ولا تأثير لقدرة العباد في وجودها، وإنما لهم فيها مجرد (الكسب)، والكسب عندهم - باستثناء الجويني - هو مقارنة قدرة العبد للفعل من غير تأثير لها فيه، فهو أمر اعتباري لا وجود له، فإن قلت لهم: فالله تعالى يخلق الكسب والعبد يفعل الفعل عن طريق الكسب استقلالاً؟ قالوا: لا. إنها الله يخلق الكسب ويخلق الفعل، إذ «لا تأثير للعبد بوجه ما، لا على الاستقلال ولا على المشاركة (1).
(1) كتابنا القول السديد، ص 440 - 441.