الإباضية: نشأتها وعقائدها محمد حسن مهدي [دارس عن الإباضية]

Alsaidia_41_Modified

الجزء ١ · صفحة ١٧٦

176

العقائد الإيمانية في مذهب الأباضية

ونرى أن الأشاعرة القائلين بهذا الكسب لم يضيفوا شيئاً إلى قول الجبرية، فهو

في حقيقة أمره قول بالجبر، وإن جعلوا الكسب وسيطاً، لمحاولة إيجاد مخرج من لازم

قولهم (1)

فهذا الكسب الذي يرى الأشاعرة أنه من العبد، ولكنه مخلوق مع هذا حين العمل مع العمل نفسه، ليس له أي قيمة حقيقية، بمعنى أن هذا لا يجعل للإنسان وقدرته أثراً حقاً في إصدار الفعل، ما دام الكل - الفعل وقدرة العبد المسماة بالكسب - بخلق الله تعالى وحده، ولأن فكرة الكسب هذه فكرة غامضة خفية، اضطر الأشاعرة إليها لحل مشكلة العمل بين الله والإنسان، إلا أنها لا تقنع العقل غير المتعصب لمذهب خاص، جاء في المثل: أخفى من كسب الأشعري دلالة على أن هذا الشيء مضرب المثل خفي لا يكاد يُدرك أو يُفهم (2).

وأما الأباضية: فهم يرون أن أفعال الإنسان خلق من الله، واكتساب من الإنسان، وهم يقفون موقفاً وسطاً بين المعتزلة والجبرية، وهم هنا يتفقون مع الأشاعرة، وهذا المذهب لم يرق كثيراً من العلماء لعدم وضوحه.

والذي نراه في هذه المسألة: أن كل فعل اختياري للإنسان فيه فعل للإنسان وفعل الله تعالى، وهذا لا يقتضي شركة بين العبد والرب، فالرب هو الخالق لجميع الأشياء، والإنسان حينما يشكل المادة المخلوقة تشكيلاً جديداً، لا يخلق مادة جديدة، وإنما يستفيد من المواد التي خلقها الله تعالى، وهذا هو الذي ميز الإنسان عن كل من على ظهر الأرض من الكائنات، ثم من الذي أبدع هذا العقل وخلقه، لا ريب أنه هو الله، ذو القوة والعزة والعلم اللامتناهي.

(1) المعتزلة بين القديم والحديث، د. محمد العبد وطارق عبد الحليم، ص 59، طبعة دار الأرقم،

القاهرة، 1987.

(2) القرآن والفلسفة، د. محمد يوسف، موسي، ص 114، دار المعارف، 1982.