الإباضية: نشأتها وعقائدها محمد حسن مهدي [دارس عن الإباضية]

Alsaidia_41_Modified

الجزء ١ · صفحة ١٧٧

أفعال العباد بين الجبر والاختيار

177

فالإنسان ليس مجبراً جبراً محضاً، وإلا لبطلت التكاليف، وبطل الثواب والعقاب من الله، وكذلك ليس حراً حرية مطلقة، كما يدعي (المعتزلة) وإلا كان إلهاً في الكون، ومسيطراً على أفعاله كلها، ولكن الإنسان متوسط بين الجبر والاختيار، فهو مجبر في تحديد عمره، وفي مقدار طوله ولونه، وفي مقدار الذكاء الذي يعطاه من الله تعالى، وفي البيئة التي ينشأ فيها، وهو مختار في الأعمال التي كلفه الله تـ ه تعالى بها كالإيمان بالله وملائكته ورسل، وكتبه واليوم الآخر، والصلاة والزكاة والحج، والانتهاء عن فعل المحرمات. فالإنسان في الأفعال التي كلفه الله تعالى بها يشعر بأنه مخير فيها، يستطيع أن يفعل وأن لا يفعل بإرادته الحرة، فإذا أكره على شيء وفقد هذه الحرية، رفع عنه التكليف (1).

فالإسلام الذي جعل الوسطية الجامعة أخص خصائص منهجه قد نبعت وتنبع فلسفته في حرية الإنسان واختياره من وسطية مكانة هذا الإنسان في هذا الوجود، فلا هو سيد هذا الوجود، حتى تكون حريته مطلقة فيه، ولا هو الحقير المتلاشي الذي لا خلاص له إلا بالفناء في الكل أو المطلق، حتى يكون الجبر المطلق هو قدره في هذا الميدان، وإنما هو الخليفة الذي استخلفه الله لحمل أمانة الحرية والاختيار، حتى يصح تكليفه بتبعات حملها، وحتى يكون حسابه وجزاؤه على ما قدمت يداه عدلاً لائقاً بذات الله تعالى، العادل، فلا بد لذلك من أن يكون حراً مختاراً، لكنها حرية واختيار الخليفة والمحكوم بالنظام الأعظم الذي خلقه خالق هذا الوجود، فهي الحرية الوسط، والاختيار الوسط بين مطلق الجبر، ومطلق الاختيار، وبهذا المعيار نستطيع أن نزن قدر الحرية الإنسانية، وبهذا المنظار يجب أن نرى آفاق الاختيار الإنساني في مختلف الميادين

(2)

(1) كتابنا القول السديد ص

445 - 444،

(2) كتابنا: إخوان الصفا وفلسفتهم الدينية، ص 284 285، طبعة المطبعة العربية الحديثة، نقلاً عن صوت الأزهر، مقال بعنوان: (الإنسان بين الجبر والاختيار)، د. محمد عمارة، العدد 151.