Alsaidia_41_Modified
الجزء ١ · صفحة ١٧٨178
العقائد الإيمانية في مذهب الأباضية
ومعنى هذا، أن أفعال الإنسان ليست اختيارية تماماً، ولا جبرية تماماً، إنما هي
تجمع بين الاختيار والجبر في آن واحد، لأنها تتوقف على عاملين هما: إرادتنا، والأسباب أو العوامل الخارجية، وهذه العوامل تتبع نظاماً عاماً مطرداً لا يختلف، وهذا النظام العام هو ما نسميه في عصرنا الراهن بـ (الحتمية الطبيعية)، غير أن هذه الحتمية ليست حتمية مطلقة صارمة في نظرنا، بل هي تفسح في صدرها جانباً للإرادة الإنسانية، وذلك لأن هناك نوعاً من التضامن بين الأسباب الخارجية والأسباب الداخلية (1).
وهذا الحل لهذه المسألة يعد من أسلم الحلول، إذ هو يتفق مع العقل والدين، أما العقل فلأنه يقرر ما يؤكده العلم الحديث من وجود قوانين ثابتة مطردة، وأما الدين فلأنه يحل لنا مشكلة الثواب والعقاب والتكليف بما يطاق 2
(2)
هذا هو مقام الحرية الإنسانية في المنهج الإسلامي، لكنها كما أشرنا «حرية الخليفة المحكوم - في الفعالية والنطاق - بالقدرة والاستطاعة التي ركبها الخالق الأعظم في هذا الإنسان، وبنطاق وحدود وآفاق عهد الإنابة والتوكيل والاستخلاف، فهو لن يستطيع تجاوز نطاق فعل القدرات المخلوقة له، كما لا تستطيع ذلك الأسباب المخلوقة في الطبيعة، ولا ينبغي لحريته أن تتجاوز بفعله نطاق عهد الاستخلاف.
فالآيات التي تسند الفعل إلى الإنسان تتحدث عن الواقع المشاهد الملموس في هذا العالم، وهو أن الفعل مسند إلى الإنسان باعتبار قيامه به، واعتبار نيته وعزمه وتصميمه على فعله، والآيات التي تبين أن الله تعالى هو المتصرف الوحيد في هذا الكون، وأنه أراد كل شيء فيه، ولا يشاء أحد شيئاً إلا أن يشاء الله، فهي تقرر الحق المطلق الأعلى لله تعالى في الإيجاد والفعل، والتصريف والتدبير، وفي القدرة على
(1) ابن رشد وفلسفته الدينية، د. محمود، قاسم، ص 176، طبعة الإنجلو، 1969. (2) مناهج الأدلة لابن رشد، تحقيق د. محمود قاسم، ص 229، طبعة الإنجلو، 1969.