الإباضية: نشأتها وعقائدها محمد حسن مهدي [دارس عن الإباضية]

Alsaidia_41_Modified

الجزء ١ · صفحة ١٩٩

السمعيات

199

ولا ينكر الأباضية (الميزان)، بل يعتقدون أنه حق، نطق به القرآن والسنة، غير أنهم لا يعتقدون أن الميزان الذي يضعه الله لحساب عباده عبارة عن ميزان ذي كفتين ولسان، توزن فيه صحائف الأعمال الحسنة، وصحائف الأعمال السيئة (1). بل يعتقدون أن الميزان يراد منه تمييز الأعمال وتفصيلها، والمجازاة عليها، لأن أعمال العباد فيما يعتقدون أعراض وليست بأجسام (2).

فالميزان عندهم ليس على ما زعمه (الحشوية) والأشاعرة، وإنما المراد عندهم - وعند معظم المعتزلة - من الميزان اعتبار الحسنات وتمييزها من غيرها، والعدل الذي وضعه الله بين خلقه، كما قال: {وَالْوَزْنُ يَوْمَذٍ الْحَقُّ) [الأعراف: 8]، وكذلك قال: ﴿وَأَنزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَب وَالْمِيزَانَ﴾ [الحديد: 25]، يعني العدل بين عباده، وكل ذلك تمثيل يجب الحمل عليه كما يقال: اجعلوا بيننا ميزاناً يعدل بيننا، يراد به قاضياً عدلاً، ولا ضرورة تدعو إلى الميزان المتعارف، لأنه يحتاج إليه من لا يعرف مقادير الأشياء، وأراد معرفتها، والله تعالى غني على الإطلاق، محيط علمه بكل شيء، فإنه يحكم فيهم وعليهم بسرائرهم وما تخفي صدورهم، وأيضاً فإن أفعال العباد أعراض لا تقبل الخفة والثقل

(3)

والذي يجب اعتقاده، ويكفر العبد بإنكاره، هو أن في الآخرة ميزاناً ووزناً، لأن هذا معلوم من الدين بالضرورة، وما عدا ذلك - من أن الميزان حسي، أو ليس بحسي، بل هو والوزن كناية عن تمام العدل، ومن أن الموزون صحف الأعمال أو الأعمال - فليس مما يكفر منكره، بل يجب تفويضه إلى علم الله، وإن كان الظاهر أن الميزان حسي، وأن الموزون صحف الأعمال، أخذاً من ظواهر الأحاديث مثل قول الرسول صلى الله عليه وسلم: کلمتان خفيفتان على اللسان حبيبتان إلى الرحمن، ثقيلتان في الميزان،

(1) تحفة المريد على جوهرة التوحيد، ص 216. (2) قواعد الإسلام للجيطالي، (17/ 1). (3) معالم الدين، (2/ 191).