الإباضية: نشأتها وعقائدها محمد حسن مهدي [دارس عن الإباضية]

Alsaidia_41_Modified

الجزء ١ · صفحة ٢٢

22

الأباضية نشأتها وفرقها

حدث هذا عندما كان أبو بكر الصديق الله بعيداً عن المدينة، في زيارة أهله،

فلما حضر الصديق، دخل على رسول الله، وهو مسجى فكشف عن وجهه وقبله، وقال: بأبي أنت وأمي يا رسول الله، طبت حياً وميتاً، أما الموتة التي قد كتبها الله عليك فقد ذقتها، وتلا قوله تعالى: (إِنَّكَ مَيتُ وَإنهم مستونَ) [الزمر: 30]. وقف أبو بكر، يعلن أن النبي و قد لحق بربه، وأن شأنه في هذا الأمر شأن غيره من الناس، وتلا على الذين هالتهم المصيبة قول الله تعالى: {وَمَا مُحَمَّدُ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِيْن مَاتَ أَوْ قُتِلَ انقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَبِكُمْ وَمَن يَنقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَن يَضُرَ اللَّهَ شَيْئًا وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ) [آل عمران: 144]. ويسمع (عمر) له المضطرب القوى الضعيف عن احتمال الفاجعة هذه الآية الكريمة، فيثوب إليه الرشد ويعلم أن وعد الله حق، فيخضع لقضاء الله ويؤمن بأن الله تعالى اختار لرسوله ما عنده بعد أن أكمل به الدين الذي رضيه لهم، ويقول عمر: والله لكأني لم أسمع هذه الآية من قبل (). وحينئذ هدأت النفوس واطمأنت القلوب، واعترف جميع الصحابة بما ظهر من الحق، من أن رسول الله قد فارق الحياة، وأنها سنة الله في خلقه، وكن

تحد لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا} [الأحزاب:62]، وبذلك زال الخلاف.

الخلاف الرابع: في موضع دفنه:

اختلف الصحابة في موضع دفنه فأراد أهل مكة من المهاجرين ردّه إلى مكة، لأنها مسقط رأسه، ومأنس نفسه، وموطئ قدمه، وموطن أهله، وموقع رحله. وأراد أهل المدينة من الأنصار دفنه بالمدينة، لأنها دار هجرته، ومدار نصرته

(1) التبصير في الدين للإسفراييني، ص 19، طبعة القاهرة، 1955. وقارن الفرق بين الفرق، للإمام عبد القاهر البغدادي، تحقيق: محي الدين عبد الحميد، ص 14 - 15، طبعة دار التراث. وأيضاً: الملل

والنحل، ص 23. ومقالات الإسلاميين، ص 35 - 36.