الإباضية: نشأتها وعقائدها محمد حسن مهدي [دارس عن الإباضية]

Alsaidia_41_Modified

الجزء ١ · صفحة ٢١٧

الإيمان والإسلام

217

ومن هنا ندرك مدى عمق الخلاف بين الأباضية في مسألة زيادة الإيمان ونقصانه، ففي الوقت الذي يعتقد فريق من أتباع المذهب أن الإيمان يزيد بالطاعة، وينقص بالغفلة وارتكاب الأعمال المحرمة، يعتقد الفريق الآخر أن الإيمان لا يزيد ولا ينقص، ولهذا يقتضي هذا الخلاف بين الفريقين إعادة نظر للتوفيق بين الرأيين وخاصة من فقهاء وعلماء الأباضية المحدثين.

إن الخلاف بين هذين المذهبين خلاف حقيقي، والإيمان يقبل الزيادة والنقص، سواء أكان اسماً للتصديق فقط أم اسماً للتصديق مع العمل، وأن الزيادة والنقص في الإيمان وفي التصديق، أما في الأعمال فواضح أنها تزيد بالكثرة وتقل بالتكاسل، وأما التصديق فمما يؤيد قبوله للزيادة والنقص قول الرسول صلى الله عليه وسلم: «ما فضلكم (أبو بكر) بصلاة ولا بصيام، ولكن بشيء وقر في نفسه، والذي وقر في النفس، واستقر في القلب إنما هو التصديق يقول الإمام النووي: «إن نفس التصديق يزيد بكثرة النظر وتظاهر الأدلة، فلهذا يكون إيمان الصديقين أقوى من إيمان غيرهم، بحيث لا تعتريه الشبه، ولا يتزلزل إيمانهم بعارض، بل لا تزال قلوبهم منشرحة نيرة، وإن اختلفت عليهم الأحوال، أما غيرهم من المؤلفة، ومن قاربهم ونحوهم فليسوا كذلك، فهذا مما لا يمكن إنكاره ولا يتشكك عاقل في أن نفس تصديق (أبي بكر) ه لا يساويه تصديق أحاد الناس» (1).

فالإيمان بمعنى التصديق يقبل الزيادة والنقص باعتبار ذاته، لأنه من الكيفيات النفسية كالفرح والحزن، وإلا لاقتضى أن يكون إيمان النبي صلى الله عليه وسلم وإيمان أفراد الأمة سواء، وهو باطل بالاتفاق. كما يقبل الزيادة والنقص باعتبار متعلقه، لأن الإيمان

(1)

صحيح مسلم بشرح النووي، (1/ 190).