Alsaidia_41_Modified
الجزء ١ · صفحة ٣٦36
الأباضية نشأتها وفرفها
أن هذه المكيدة يراد بها درء الهزيمة الوشيكة، فنصح لقومه بمواصلة القتال لتحقيق النصر الذي بدت له بشائره، لكنهم اختلفوا عليه، وتعارضت آراؤهم، فمن محبذ للتحكيم داع إليه، ومن ساخط عليه راغب في القتال، وتغلب جانب الأولين، حيث هددوا بالخروج على إمامهم إذا هو واصل القتال، فاضطر علي إلى التنازل عن رأيه وقبل التحكيم
(1)
وقد ذكر الإمام الشوكاني: أن الذين تركوا قتال معاوية، ودفعوا علياً إلى قبول التحكيم كانوا جمعاً كثيراً، منهم عدد من القراء توقفوا عن القتال تأثماً وتديناً، واحتجوا الموقفهم بقول الله تعالى: {أَلَمْ تَرَ إلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِّنَ الْكِتَبِ يُدْعَوْنَ إِلَى
كتب الله يحكم بينَهُمْ ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِنْهُمْ وَهُم مُعْرِضُونَ) [آل عمران: 23] (2). فالذين والوا علياً انقسموا إلى فريقين متميزين كبيرين بعد حادثة «التحكيم» فانقلب أحدهما مناوثاً له، وتحول إلى حزب معادٍ، بالغ في الحملة عليه ومقاتلته، كما بالغ من قبل في إخلاصه له وغيرته، وهؤلاء هم الذين سيقال عنهم «الخوارج» وثبت الثاني على الولاء، وضاعف إخلاصه لقائده، ثم استمر هذا الولاء في التاريخ، وورثه الجيل الراهن للأعقاب، أخذ يتطور تبعاً لتجدد الحوادث، وتتفرع عنه نظريات، وهؤلاء هم الذين نسميهم جذر الشيعة» أو أصلها (3).
وبعد مفاوضة بين الجانبين، رضي أهل الشام عمرو بن العاص نائباً عنهم، ورضي أهل العراق أبا موسى الشعري ممثلاً لهم، ثم كتب عقد التحكيم، وأعلنت الهدنة ستة أشهر إلى أن يجتمع الحكمان، ولكن هذا الإجراء لم يرفع الخلاف، بل زاده عنفاً وتمكناً من النفوس. وقد نشأ حزب «الخوارج» عقب إعلان نتيجة التحكيم بين أبي موسى الأشعري، وعمرو بن العاص، إذ تعالت الهتافات من معسكر علي:
(1) قضية الإمامة نشأتها وتطورها، ص 27 - 28. (2) نيل الأوطار للإمام الشوكاني، (339/ 7)، طبعة دار الفكر، بيروت، 1402 هـ.
(3) النظريات السياسية الإسلامية، ص 60.