الإباضية: نشأتها وعقائدها محمد حسن مهدي [دارس عن الإباضية]

Alsaidia_41_Modified

الجزء ١ · صفحة ٤٤

44

الأباضية نشأتها وفرقها

ثم تجمع هؤلاء الخارجون، واتجهوا نحو حروراء، غير بعيد من الكوفة، فتابعهم علي يبغي صلاحهم، ووقف بينهم وخطبهم متوكثاً على قوسه قائلاً: أنشدكم الله، هل علمتم أحداً كان أكره للحكومة مني؟ قالوا: اللهم لا. قال: أفعلمتم أنكم أكرهتموني عليها حتى قبلتها؟ قالوا: اللهم نعم. قال: فعلام خالفتموني ونابذتموني؟ قالوا: إنا أتينا ذنباً عظيماً فتبنا إلى الله منه» (1).

وعاد الخارجون في صحبة الإمام علي كرم الله وجهه إلى الكوفة، ثم ما لبثوا أن عاودتهم فكرة الخروج ظناً منهم أن علياً قد رجع عن الحكومة، فأرسل إليهم ابن عباس لكي يتفادى المسلمون الفتنة، ولكنهم أصروا على موقفهم من علي، وأجمعوا البيعة لواحد من بينهم اسمه عبدالله بن وهب الراسبي.

وقد طلبوا من علي الله أن يقر على نفسه بالخطأ، بل بالكفر، لقبوله التحكيم ويرجع عما أبرم مع معاوية من شروط، فإن فعل عادوا إليه وقاتلوا معه، لكن الأمر كان أكبر من هذا، فكيف يرجع عن اتفاق أمضاه والدين يأمر بالوفاء بالعهود؟ ولو رجع لتفرق عنه أكثر أصحابه، وكيف يقر على نفسه بالكفر، ولم يشرك بالله شيئاً منذ آمن؟ فضايقوه بالإكثار من قولهم: «لا حكم إلا لله»، فإذا خطب في المسجد قاطعوه بقولهم: (لا حكم إلا الله» (2)

وكان موقف الإمام علي منهم أول الأمر ألا يحاربهم حتى يبدؤوه بالحرب، فلما عمدوا إلى استعمال العنف، وقتلوا عبدالله بن خباب وفي عنقه المصحف، ولما ركبوا رؤوسهم ولم يحاولوا أن يستجيبوا لدعوة علي، خرج إليهم في يوم النهروان وأوقع بهم وقتل منهم عدداً كبيراً، وفي هذه المعركة قتل زعيمهم ابن وهب وقد كان

(1) إسلام بلا مذاهب، ص 121، طبعة بيروت 1971 وأيضاً: البداية والنهاية حافظ ابن كثير

(719/ 7)

(2) فجر الإسلام، أ. أحمد أمين، ص 256، طبعة النهضة المصرية، 1965.