الإباضية: نشأتها وعقائدها محمد حسن مهدي [دارس عن الإباضية]

Alsaidia_41_Modified

الجزء ١ · صفحة ٩٧

إثبات وجود الله

97

فالإنسان إذا نظر إلى نفسه دون أن يضع فكرة أمام عينيه فلا ريب أنه يهتدي إلى الله، لأن الله وضع معرفته في فطرة كل إنسان فمعرفته – سبحانه - أمر مركوز في نفوس البشر، وقد صدق الله إذ يقول: فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا نَدِيلَ لِخَلْقِ اللهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ} [الروم: 30]. لكن مع تطاول الأزمان ووسوسة الشيطان وميل بعض الناس إلى التحذلق والتنطع في البحث، انحرفت بعض الطبائع، وكلّت بعض البصائر، وفسدت بعض الفطر تحت تأثير البيئة، وتعارض الأفكار، وتضارب الآراء، وتحت تأثير الأنواع من الثقافات والمذاهب، وصنوف التربية، أصبحت مسألة وجود الله تعالى مشكلة تبحث عن حل، وقضية تحتاج إلى إثبات، وبُذلت جهود كثيرة لمفكري الإسلام في إثبات هذه القضية البديهية، وسلكوا لذلك عدة سبل، واستعملوا عدة وسائل، وبذلك برزت هذه المسألة على الساحة الفكرية، وأصبح لها مكان مناسب في مباحث علم أصول الدين وغيره من العلوم، وليست المشكلة في القضية نفسها، بقدر ما أثير حولها من غبار، وما صاحبها من آراء وأنظار (1)

المختلفة

وبرغم أن وجود الله تعالى أوضح من أن يُبرهن عليه، وأجلى من أن يُستدل عليه، فقد وجد في كل الأزمنة من جحد الصانع المدبر، العالم القادر، وزعموا: «أن العالم لم يزل موجوداً كذلك بنفسه من غير صانع، ولم يزل الحيوان من النطفة والنطفة من الحيوان، وكذلك كان، وكذلك يكون أبداً، وهؤلاء هم الدهريون (2). الدهريون» (2).

على هؤلاء في كل زمان ومكان يرد القرآن في استفاضة وفي تنوع، وما من شك في أن مسألة إثبات وجود الله تعالى لم تكن في يوم من الأيام هدفاً من أهداف القرآن وأهداف الرسول صلى الله عليه وسلم، وذلك لأن الإيمان بوجد الله تعالى مسألة فطرية بديهية،

(1) كتابنا القول المبين في أهم قضايا علم أصول الدين، ص 151 152، طبعة المطبعة العربية الحديثة. . من الضلال للإمام الغزالي، تحقيق: مصطفى أبو العلا، ص 40، طبعة الجندي، 1973.

(2) المنقذ