Alsaidia_41_Modified
الجزء ١ · صفحة ١٠٢102
العقائد الإيمانية في مذهب الأباضية
فإذا فكر الإنسان في نفسه رآها مدبرة، وعلى أحوال شتى مصرفة، كان نطفة، ثم علقة، ثم مضغة، ثم لحماً وعظماً، فيعلم أنه لم ينقل نفسه من حال النقص إلى حال الكمال، لأنه لا يقدر أن يحدث لنفسه في الحال الأفضل التي هي حال كمال عقله، وبلوغ أشده، عضواً من الأعضاء، ولا يمكنه أن يزيد في جوارحه جارحة فيدله ذلك على أنه في حال نقصه، وأوان ضعفه عن فعل ذلك أعجز. وقد يرى نفسه شاباً، ثم كهلاً، ثم شيخاً، وهو لم ينقل نفسه من حال الشباب والقوة إلى الشيخوخة والهرم، ولا اختار لنفسه، ولا في وسعه أن يزيل حال الشيب ويُرجع قوة الشباب فيعلم بذلك أنه ليس هو الذي فعل هذه الأفعال بنفسه، وأن له صانعاً صنعه، وناقلاً نقله من حال إلى حال، ولولا ذلك لم تتبدل أحواله بلا ناقل ولا مدبر، فدل ذلك كله على وجود خالق حكيم وراء هذا كله (1)
(1)
وبيان دليل الخلق - أو الحدوث - منطقياً، أن تقول: أنا لم أكن ثم كنت، أو أنا موجود بعد عدم، وأنا حادث، فكل من هو كذلك فله موجد أوجده، فينتج هذا البرهان: أنا لي موجد أوجدني. أما القضية الصغرى في هذا القياس المنطقي، فهي معلومة بالضرورة، لأن كل عاقل لا يشك في أن هيئته المخصوصة التي هو عليها، وبها تحققت حقيقته الإنسانية، كانت معدومة ثم كانت، وأما الكبرى، فلقد اعتقد قوم، ومنهم الرازي أنها معلومة بالضرورة أيضاً، والصحيح عند الثميني (2) - وهو أحد علماء الأباضية - أنها نظرية، أي استدلالية، لأن اختصاص الحادث بالوجود
(1) القول المبين، ص 145 - 146.
(2) هو الشيخ عبد العزيز بن الحاج بن إبراهيم الثميني المصعبي اليسجني الملقب بضياء الدين، ولد في سجن بجنوب الجزائر عام 1130 هـ، وكان أحد أقطاب الأباضية، وإليه انتهت رئاسة العلم، توفي في عام 1220 هـ ومن أهم مؤلفاته (معالم الدين)، جمع فيه العقائد الصحيحة لمذهب الأباضية، وقد ختمه بالتأكيد على تمسكه الشديد بالعقيدة الأباضية حتى الموت، حيث يقول: «وأنت إذا تتبعت كتابنا، لا يخفى عليك اعتقاد الأباضية الخلص المذكورين الذي عليه نحيي، وعليه نموت. انظر: معالم الدين، للثميني، (2362)، طبعة سلطنة عمان، 1986، مقدمة الكتاب لسالم بن حمد ابن سليمان الحارثي.