القسمة وأصول الأرضين: كتاب في فقه العمارة الإسلامية أحمد بن محمد بن بكر بن أبي بكر بن يوسف الفرسطائي النفوسي أبو العباس

Alsaidia_142_Modified

الجزء ١ · صفحة ٨

كان عمل الرجلين عظيما، يستحق كل تقدير وعرفان بالجميل؛ لقد أرهقتهما قراءة المخطوطات البالية، وحققوا النص المرَّة تلو الأخرى، وأعادا القراءة والمقارنة بين النصوص كلّما بلغتهما نسخة جديدة، ساعيين إلى إزالة إشكال أو رفع غموض عن لفظة أو تعبير، ليتيسر لهما إعادة بناء النص أقرب ما يكون للأصل الذي تركه صاحبه عليه، بعد أن تصرفت فيه أيدي النساخ بالتحريف والتبديل. لقد اجتهد الرجلان في عرض النص مبوَّباً، مرتباً بحسب فصوله ومسائله، مقسما إلى فقرات بحسب المعاني والأفكار، مع كلّ ما يُيسّر على القارئ الاستفادة من الكتاب بضبط الفواصل والنقاط وعلامات الاستفهام ونحوها، وشرح غموض التعبير والألفاظ … وبالجملة فقد حاولا - ما استطاعا ـ أن يزيلا عن القارئ كل ما يمنعه من الإقبال على دراسة كتب التراث من صعاب وعقبات.

وإلى جانب عناية الرجلين بالكتاب، ظهر الجهد في التعريف بصاحب الكتاب، وهو عمل لا يقل قيمة عن تحقيق المؤلّف ونشره، فأبو العباس أحمد قد أغفلته كتب التراجم العامة في تراثنا الإسلامي، إلا أنَّ الدكتور محمد ناصر استطاع بما حصل عليه من مادة - على قلتها - أن يقدّم لنا ترجمة كافية لإعطاء أبي العباس المكانة التي يستحقها بين علماء الإسلام ورجاله، فأبرزت الترجمة ما يتعلق بحياته الشخصية، وما بذله من جهد في الميدان السياسي والاجتماعي للجماعة الإباضيَّة في القرن الخامس الهجري، إضافة إلى أعماله الفكرية، فهو فقيه موسوعي، كتب في أغراض الفقه كلها، في فترة النضج من حياته، بعد أن اكتسب المعرفة والتجربة الكافيتين. وسيجد القارئ الكريم ما يغنيه عما أقول. وكتاب أصول الأرضين لأبي العباس أحمد الفرسطائي جدير بأن يُحقق وأن ينشر، لأنَّه من المؤلفات القليلة التي عالجت بتوسع موضوع الأموال وقسمتها وَهُوَ أيضا من الأعمال النادرة في موضوع العمارة من وجهة النظر الإسلامية. ويبدو لي أنَّ فضل أبي العباس يتمثل في تحرير هذه المواضيع من التبعية لفقه المعاملات، وجعله يستقل بنفسه حين بسط فيه الحديث عن الأموال وأقسامها وكيفية قسمة كل نوع،

- 8 -