Alsaidia_142_Modified
الجزء ١ · صفحة ٩وتعرض لِكُلِّ جوانب العمارة وإصلاح الأرض، ودور الإنسان فيها، وما يتعلق بِكُلِّ ذلك من أحكام، أي ما يجوز فعله وما لا يجوز، مِمَّا يمنع التنازع بين الناس. و كتاب أصول الأرضين ثري بالمعلومات عن العمارة الإسلامية التي عرفتها البيئة الإباضية في القرن الخامس وما قبله، فتحدَّث فيه صاحبه عن القصر “ - نمط خاص للعمارة البربرية في الخط الجنوبي لشمال إفريقيا ـ ما يزال طابعها الخاص قائما إلى الآن، وما زالت هَذِهِ الكلمة تطلق عَلَى كثير من القرى المنتشرة في المنطقة، فللقصر معنى خاص عند أهلها. ثمَّ نجد أبا العباس أحمد يتحدث عن الشارع والزقاق والسكة … مميزاً بينها، ويذكر الغرف والبيوت والفنادق، والمسجد والقنطرة والجسر والزروب … فيحدد مراده من كل ذلك؛ ثمَّ يُبَيِّنُ ما يتعلق بها من حقوق وأحكام، معتمداً في ذلك القواعد الشرعية من قبيل: «لا ضرر ولاضرار في الإسلام»، و «الضرر يزال»، و «دفع المضرة مقدم على جلب المصلحة»، و «مصلحة الجماعة مقدَّمة على مصلحة الفرد عند التعارض»، و «مبدأ سد الذريعة»، و «الوسائل تأخد حكم المقاصد» … وغيرها من القواعد التي اتخذها أبو العباس أصولاً لأحكام الأموال وعمارة الأرض. صحيح أنه لم يصرح بهذه الأصول إلا أنها ظاهرة لمن أراد أن يستنطق النص.
إنَّ كتاب أصول الأرضين نبع ثر يمكن أن يستفيد منه المهندس المسلم في معرفة الأصول الفنية للعمارة الإسلامية، وهو يهم القاضي في معرفة الأصول التي يحكم بها في المنازعات المتعلّقة بقضايا الأموال، واستعمال الطرق وإنشائها،
ومعرفة حريم البناء، وحقوق الأجوار وأهل البلدة، في استعمال المرافق …
والكتاب وثيقة مهمة لدراسة المستوى الحضاري للجماعة التي ينتمي إليها صاحب الكتاب. وتحليل لغة الكتاب ودراستها يقودنا إلى الكشف عن مستوى اللغة العربية في القرن الخامس الهجري، في بيئة يتكلم أهلها اللغة البربرية الأمازيغية، في حين كانت العربية لغة الإدارة والعلم فقط. وَهَذَا الأمر يهم إلى حد بعيد المختصين بالألسنيّة، وبظاهرة تعريب بربر المنطقة، وهي ظاهرة غريبة لم تدرس بعد.
9 -