جلاء العمى شرح ميمية الدماء خلفان بن جميل بن حرمل السيابي أبو يحيى

Alsaidia_110_Modified

الجزء ١ · صفحة ٢٧٦

ومن جهل قدر النعمة سلبه الله إياها لا محالة، قال بعض العلماء: إنما يُسلب النعمة الكفور الذي لا يعرف قدرها ولايؤدي شكرها، ألا ترى قوله تعالى في أمر بلعام (): واتل عليهم نبأ الذي آتيناه آياتنا فانسلخ منها حتى قال: ولو شئنا لرفعناه بها ولكنه أخلد الى الأرض واتبع هواه حتى شبهه بالكلب الذي من شأنه إن تحمل عليه يلهث والمعنى إنما أنعمنا على هذا العبد بهذه النعمة العظيمة في باب الدين بما مكناه من الرتبة الكبرى ليكون رفيع القدر عندنا، ولكنه جهل قدر نعمتنا فأعرض عنها ومال الى الدنيا الحقيرة وآثر شهوة نفسه الردية، ولم يعلم أن الدنيا لاتزن عند الله جناح بعوضة في أدنى نعمة من نعم الدين، فكان بذلك بمنزلة الكلب الذي لا يعرف الشرف والإكرام من الإهانة والاحتقار ولايفرق بين الجليل والحقير، وإنما الكرامة عنده في تحصيل كسرة يأكلها أو عظم يرمى إليه يتعرقه، سواء معه تقعده معك على السرير أو تقيمه على التراب والقذر، فهذا العبد السوء إذا جهل قدر كرامتنا فآثر عليها لذة خسيسة ودنيا حقيرة نظرنا إليه بعين العدل والسياسة فسلبناه كرامتنا ونزعنا من قلبه معرفتنا، فانسلخ من ذلك كله غاوياً وأصبح كلباً طريداً، عاوياً، فنعوذ بالله من سخطه وأليم عقابه ونسأله تعالى لطفه ورحمته ورأفته وتوفيقه إلى كل مايحبه منا ويرضاه. اللهم اجعلنا من الشاكرين لأنعمك العارفين بعظمة آلائك وفضلك، وأعنا على القيام بما كلفتنا وطلبته منا ليرجع نفعه علينا بالمزيد في الفضل بهذه الحياة الدنيا، وبالعفو والغفران وإضعاف الدرجات في الآخرة،

(1) ورد في التوراة اسم (بلعام) بمعنى النهم، وهو ابن بعور من قرية فتور فيما بين النهرين، وكان نبياً مشهوراً في جيله، والظاهر أنه كان موحداً يعبد الله، وليس ذلك بعجيب لأنه من وطن ابراهيم الخليل حيث يظن أن جرثومة عبادة الله وحده كانت معروفة عند أهل تلك البلاد ما بين النهرين) في أيام النبي بلعام، ومما هو جديد بالذكر أن بالاق ملك مؤاب استدعاه اليه مرتين ليلعن شعب اسرائيل فلم يلعنهم، والظاهر أنه بعد ذلك أخلد الى الأرض وخالف أوامر الله وانسلخ من آياته والله أعلم. (انظر قاموس الكتاب المقدس) للدكتور بوست.

- 276 -