Alsaidia_304_Modified
الجزء ١ · صفحة ١٧٢***
فصول الأصول
***
واختلفوا - أيضا - في الحقيقة والمجاز هل يصح أن يرادا معا باللفظ الواحد كما في قولك: رأيت الأسد وتريد الحيوان المفترس والرجل الشجاع؟ على الخلاف في المشترك. وقال القاضي أبو بكر الباقلاني: بعدم صحة ذلك قطعا (1)، قال: لما فيه من الجمع بين متنافيين حيث أريد باللفظ الموضوع له أولا، وغير الموضوع له معا، وأجيب بأنه لا تنافي بين هذين، وعلى القول بالصحة يكون مجازا أو حقيقة ومجازا باعتبارين على حد ما مر عن الشافعي وغيره، وتحمل عليهما إن قامت قرينة على إرادة المجاز مع الحقيقة كما حمل الشافعي الملامسة في قوله تعالى: {أَوْ لَمَسْتُمُ النِّسَاء) (2) على الجس (3) باليد والوطء معا (4)، وهي في الأول حقيقة وفي الثاني مجاز، وعلى هذا مشى ابن السبكي في جمع الجوامع وتبعه عليه شارحه الجلال المحلي من الشافعية قالوا (5): ومن هنا عم نحو وافعلوا الخير (6) الواجب والمندوب حملا لصيغة أفعل على الحقيقة والمجاز من الوجوب والندب بقرينة كون متعلقها عاما للواجب والمندوب كالخير في الآية – مثلا –، ومن خصه بالواجب بناء على انه لا يصح إرادة المجاز مع الحقيقة، وقيل: إن صيغة افعل – مثلا – هي حقيقة في القدر المشترك بين الوجوب والندب، أي: مدلولها طلب الفعل مع قطع النظر عن وجوبه أو ندبه، وكذلك اختلفوا في
(1) الجويني (البرهان) ج 1 ص 236، القرافي (نفائس الأصول) ج 2 ص 766، ابن السبكي (الإبهاج) ج 1 ص 257، (جمع الجوامع بشرح المحلي) ج 1 ص 298. وهو مذهب الحنفية وحكاه علاء الدين البخاري عن عامة أهل الأدب وعامة المتكلمين البخاري (كشف الأسرار) ج 2 ص 85، ابن أمير الحاج (التقرير والتحبير) ج 1 ص 213، أمير باد شاه (تيسير التحرير) ج 2 ص 36.
(2) القرآن الكريم سورة النساء (مدنية) آية رقم 43. (3) في ب الحس.
(4) الشافعي (الأم) ج 1 ص 29، الجويني (البرهان) ج 1 ص 235، ابن السبكي (جمع الجوامع بشرح المحلي) ج 1 ص 299، الزركشي (البحر المحيط) ج 2 ص 391.
(5) قالوا: كذا في النسختين، ولعل الصواب قالا إذ المراد بهما ابن السبكي والمحلي وانظر: ابن السبكي
(جمع الجوامع بشرح المحلي) ج 1 ص 298 - 300.
(6) القرآن الكريم سورة الحج (مدنية) آية رقم 77.
172