Alsaidia_304_Modified
الجزء ١ · صفحة ٤٢٣423
***
فصول الأصول
***
واحتج مانعوا الإجماع بعد استقرار الخلاف بأن استقراره بينهم يقتضي اتفاقهم على جواز الأخذ بكل واحد من شقي الخلاف باجتهاد أو تقليد، فيمتنع بعد ذلك على أحد الشقين فقط، وأجاب المجوزون بأن اقتضاءه ما ذكر مشروط بعدم الاتفاق، وعدم انعقاد الإجماع بعده على أحد الشقين من الخلاف، فإذا أوجد ذلك انهدم اتفاقهم الأول على جواز العمل. ما عدا المجمع عليه)، وذلك الخلاف مبني على عدم اشتراط انقراض العصر، أما مشترطوه فيجوز عندهم مطلقا قطعا. وأما وقوع الإجماع من غير المختلفين بعد استقرار الخلاف بأن مات أولئك المختلفون، ونشأ غيرهم بعده بمدة زمان، فقد اختلف في جواز ذلك صحح بعضهم المنع إن طال زمان الاختلاف (2)، وعللوه بأنه لو انقدح في سقوط الخلاف لظهر للمختلفين فيه أولا، ولما أقروا الخلاف بينهم، بخلاف ما إذا قصر الزمان فقد لا يظهر لهم ويظهر لغيرهم.
وقال بعضهم: يجوز مطلقا (3) لجواز ظهور سقوط الخلاف لغير المختلفين دونهم مطلقا، وهو الصحيح عندي إذ لا مانع من ذلك، والله أعلم. وهنا قاعدة أحببنا إلحاقها بهذا الفصل إذ اختلاف العلماء في مسألة على قولين أو أقوال فالتمسك بأقل ما قيل من القولين أو الأقوال حق، وهو ملحق بالإجماع لأنه شبيه به من حيث إن كلهم قالوا بذلك الأقل ثم زاد من زاد عليه. مثال ذلك أن العلماء اختلفوا في دية الذمي فقال بعضهم: كدية المسلم، وبعضهم كنصفها وبعضهم كثلثها، فكأنهم أثبتوا الثلث كلهم، ثم زادم زاد عليه إلى النصف أو إلى الكل، فالقول بالثلث ملحق بالإجماع لاتفاق الكل على وجوبه، وبه أخذ
(1) الآمدي (الإحكام) ج 1 ص 340، المحلي (شرح المحلي على جمع الجوامع) ج 2 ص 85 - 86. (2) صححه الجويني (البرهان) ج 1 ص 455، والغزالي (المستصفي) ج 1 ص 203، والآمدي وعزاه إلى أبي بكر الصيرفي وأحمد بن حنبل وأبي الحسن الأشعري (الإحكام) ج 1 ص 337، وقال به ابن السبكي (جمع الجوامع بشرح المحلي) ج 2 ص 186، والسالمي (شرح طلعة الشمس) ج 2 ص 83، وحكاه الرازي عن كثير من المتكلمين وكثير من فقهاء الشافعية (المحصول) ج 4 ص 138. (3) جوزه الفخر الرازي (المحصول) ج 4 ص 138، وحكاه الآمدي عن كثير من أصحاب الشافعي والمعتزلة (الاحكام) ج 1 ص 337، وهو قول القرافي (شرح تنقيح الفصول) ص 328، وانظر: أبو الحسين (المعتمد) ج 2 ص 54، ابن المرتضى (منهاج الوصول) ص 610.