Alsaidia_404_Modified
الجزء ١ · صفحة ٢٥بهجة الجنان في وضف الجنان
25
ماجد
واتجه لأبي عبيد وسقاه، وسقى الحاضرين في مجلسه، فقال أبو عبيد: «هذا ماء طيب من أين أحضرته؟»، قال الخادم: من بيتك يا شيخنا»، قال الشيخ: «بل ليس من بيتي، فأهل بيتي يردون الماء من أفلاج سمائل، وهذا الماء ليس من أفلاجها»، فاستغرب الخادم وتعجب الحضور، فأمر الخادم بأن يذهب حيث أحضر الماء ويسأل من أي الأماكن هو، فذهب الخادم ووجد ناصر بن وقص عليه ما حدث، فأجابه أن ذلك الماء بالفعل ليس من أفلاج سمائل وإنما من فلج المشراق بقاروت، وعاد الخادم فقال لأبي عبيد أن ذلك الماء ليس من أ أفلاج سمائل، فقال أبو عبيد: «إنه من فلج المشراق بقاروت»، فاستغرب الحضور، فلله دره من عالم أوتي من الفراسة والفطنة خيرا كثيرا.
وأحضر له أخوه منصور حلوى صنعها بنفسه، وأطعمه منها هو والمجتمعين بمجلسه، فأكلوا منها وأثنوا عليها، وعندما انتهوا من تناولها قال أبو عبيد: «ما رأيكم في هذه الحلوى؟»، فأثنى الجميع عليها ومدحوا طيب طعمها ومأكلها، قال لهم أبو عبيد: «هذا فقط، ألم تلاحظوا شيئا؟ قالوا له: «لا لم نلحظ شيئا»، فقال: «هذه الحلوى الطيبة ليس بها أي سكر، فاستغرب الجميع وردوا عليه: «كيف تكون حلوى إن لم تمزج بالسكر يا أبا عبيد؟!»، فأكد لهم ما قال، وكان أخوه منصور حاضرا معهم، فقال لهم: «بالفعل فإنني صنعت هذه الحلوى بالتمر وليس بالسكر»، ولم يكن مألوفا في ذلك الوقت أن تصنع الحلوى بالتمر، فصدقت فراسة أبي عبيد وصدق ذوقه.
وفوق كل هذا لم يكن مثله في الفطنة والفراسة، فكان ذكيا نابغا، وكم من مسائل تعلقت بالقضاء اعتمد في حلها على فراسته وفطنته فما خاب حدسه يوما، ولا أخطأ ظنه. ومن طريف ما يروى عنه في شأن فراسته: أن حدثت سرقة كبيرة في محلة بسمائل عندما كان أبو عبيد قاضيا، حيث كان أهل المحلة يجمعون ذخيرتهم كلها من خناجر وأسلحة وغيرها ويحتفظون بها في مكان واحد في المحلة، فكان أن سرقت تلك الذخيرة ولم يبق منها شيئا، فذهب أهل المحلة يشتكون عند أبي عبيد، وأخبروه بأمرهم وبأنهم يشكون في واحد منهم بأنه هو سارق الذخيرة، وقد زاد من شكهم اختفائه منذ أن حدثت السرقة فلم يعد له أثر،
1 - مقابلة مع ابنه الشيخ سلام، مصدر سابق