دراسات عن الأدب الجزائري الحديث
الجزء ١ · صفحة ١٠٥فوهمت أنّه لا يزال شبح (وادي ميزاب) بمدفنه، فقصدته بكلّ شجاعة، ففتحت قبره بدون حضور وليّه، فدارت في كلّ زواياه، وبكلّ أسف لم تجد إلاّ غبارا متراكما على مكتبه، ومن العجيب أنّه ما يزال بعبع (وادي ميزاب) ماثلا في المخيّلات رغما عن مضيّ عامين على مصرعه!! وقد ذكّرتنا هذه القصّة بقصّة جحا ورفات الحمار"(1)
تأسّف الكاتب لكون مجهود اللّجنة كان ضائعا، إذ لم تعثر على ما كانت تطلبه، وهو القبض على جريدة (وادي ميزاب) لأنّها قد ماتت منذ عامين، لكنّ الخوف الذي تركته في قلوب المستعمرين جعلهم لا يصدّقون بموتها، ففتّشوا عنها حتىّ في مدفنها. تحسّر الكاتب أيضا على الخسارة التي لحقت اللّجنة: خسارة على الشّجاعة التي أظهرتها، وخسارة على الجهد المبذول، وخسارة على الجسارة في خرق القوانين في سبيل غاية لم تتحقّق. وتكون هذه اللّفتات السّاخرة من الكاتب بالغة غايتها في الاحتقار والازدراء، حين يربط بين قصّة الزّيارة بنتائجها وقصّة جحا ورفات الحمار.
لمزيد من الاطّلاع والكشف عن عسف المستعمر وقهره الشّعب، نفتّش مع أبي اليقظان عن الحريّة التي منحتها فرنسا للجزائريّين، ونتعرّف على الدّيمقراطيّة التي تبرّعت بها عليهم، ونتبيّن الأفضال التي كانت تنعم بها على المواطنين: " بَعَثَنا الله إليكم لنبدل ذلّكم عزّا، ولكن بصبّ كؤوس الهوان على رؤوسكم، وفقركم غنى، ولكن بابتزاز أراضيكم ومقدّرات بلادكم، وترك مئات الآلاف يلتحفون الغبراء، وجهلكم علما، ولكن بإغلاق المدارس في وجوه أبنائكم، وترك 90 ألف نسمة يذرعون الطّرقات، وعبوديّتكم حريّة، ولكن بإحاطتكم بأسلاك شائكة من قيود القوانين الاستثنائية، نحن نتعهّد باحترام ديانتكم، ولكن بمضايقة رجال الدّين، وإطلاق العنان للمبشّرين يجوسون خلال الدّيار، ويأخذون طريقهم إلى القلوب لابتزاز العقائد منها، نحن نحترم آدابكم وثقافتكم، ولكن بمطاردة لغتكم العربيّة، واعتبارها وهي
(1) - جريدة المغرب، ع:37.