دراسات عن الأدب الجزائري الحديث محمد بن قاسم ناصر بوحجام

دراسات عن الأدب الجزائري الحديث

الجزء ١ · صفحة ١٠٨

من بين أساليب علم المعاني البلاغية التي استعملها الكاتب، أسلوب الاعتراض، الذي يعتمد على جمل يأتي بها الكاتب في أثناء كلام متّصل؛ لغرض يقصده بهذه البلاغة، ولا يكون لهذه الجمل أيّ محلّ من الإعراب، وتكون هذه الجمل موجعة مؤلمة؛ حين توضع في موضعها، وفي سياق محكم، فيتحوّل الكلام من معنى المدح إلى معنى الذمّ، أو من الوصف العادي والكلام العابر إلى تهكّم يصيب في المقاتل.

اعتمد الكاتب هذا الأسلوب لينال من خصومه، ويسخر منهم. فهو الذي اكتوى بنار السّياسة وذاق منها الأمرّين؛ بسبب ما أَذاقه الاستعمارُ من أنواع التّنكيل والتّضييق، ومصادرة جرائده، ووأد أفكاره، ومحاولات إخماد مشاعره … كتب لاعنا السّياسة، مندّدا بها، داعيا إلى نبذها، مستعملا جملا اعتراضية، ساعدته على تحويل الكلام ونقله إلى خلاف ما يتوهّم الناس؛ من ترك السّياسة إلى ممارستها وذلك بواسطة التّهكم من الاستعمار الذي كان السّبب في التّزهيد فيها. فبعد أن ذكر أنّه لا يتمكّن من النّطق بكلمة "سياسة " لأنّها كلمة لاذعة، يعاقب عليها القانون بكلّ أنواع العقاب قال: " لا أنطق بها ناسيا، ولا أتعمّده، ولا أظنّه، ولا أشكّ فيه، ولا أتوهّمه، ولا أحدّث به نفسي، ولا يخطر ببالي، ولا يقع في هاجسي ولا خيالي، وإن أرغمت وإن أجبرت، وألجأتني الضّرورة – لا قدّر الله، والله يا لطيف على النّطق به- فإنّني أستبدله بالـ … بو .. لتيك(1)، إذ أنّ هذا اللّفظ معناه الخاصّ في دائرته الضّيّقة المحدودة، وحدّه الفاصل بين ما هو من السّياسة – استغفر الله وأتوب إليه، وأقلع عن هذه الزّلة- وما ليس منها".(2)

الجمل الاعتراضية في النّصّ أبانت عن ازدراء الكاتبِ المستعمرَ، الذي كرّه إلى النّاس السّياسة، وحملهم على لعنها، ففي الدعاء " لا قدّر الله، والله يا لطيف على

(1) - ارتكب الكاتب خطأ لغويا. المفروض أن يقول: أستبدل به البولتيك (السّياسة).

(2) - "أديب و … "، " أعوذ بالله من السّياسة "، جريدة البستان ع:6 (06/ 06/1933م) النّصّ لأبي اليقظان.

١٠٤ / ٤٠٤