دراسات عن الأدب الجزائري الحديث
الجزء ١ · صفحة ١٠٩النّطق بها " إشعار بروح الاحتقار والسّخرية من الخانق على الحرية؛ إذ الكاتب يحترس حتىّ من النّطق بها مخافة التّلبس بتهمة الإجرام، مع أنّ ممارسة السّياسة حقّ شرعي.
كما أنّ في هذه الجمل " أستغفر الله وأتوب إليه، وأقلع عن هذه الزّلة " اعترافًا ضمنيًا بارتكاب الجريمة، وتعهّدًا بعدم اقتراف زلّة ممارسة السّياسة، كما أنّ فيها أيضا استهزاء واحتقارًا للمستعمر، الذي لا يراعي الحقوق، ولا يرعى الذّمم، فيلجئ أصحاب الحقوق إلى التّخلّي عنها، والاعتذار عن اقتراف زلّة ممارستها.
في هذا الاستعمال دلالة نفسيّة عميقة على حالة التّذمّر والسّخط، التي عاشها الكاتب، وعلى حالة الإحباط، التي شعر بها، وهو يرى نفسه مقيّدة، لا تتمكّن من الانطلاق بحرية لممارسة حقّها المشروع، ويجد قلمَه محجّرا عليه لنقل مشاعره وتبليغ أفكاره.
من الأساليب التي اعتمدها الكاتب – أيضا- في سخريته، أسلوب التّعريض، الذي يعتمد على التّعبير غير المباشر واللّعب بالمعاني، من غير أن يكون بين المعاني تلاؤم مشروط. " وهو الكلام الذي لا يقصد به المتكلّم معناه، وإنّما يقصد معنى آخر، وليس بين المعنيين تلازم "(1).
في التّعريض ينال الأديب السّاخر من المسخور منه، ويعبث بخصمه، بطريقة خفيّة ذكيّة ومؤلمة في الوقت نفسه، وبذلك يوفّر التّعريض الجمالية في التّعبير والطّرافة في القول، وبذلك يبعث المتعة في نفس القائل ونفس المستمع والمطّلع على القول المعرِّض.
من ألوان التّعريض التي استوقفتنا في سخرية أبي اليقظان اللّون الممزوج بالحسرة والأسى، الذي يعبر – عادة- عن الحالة النّفسيّة المتأزّمة التي يعيشها بعض النّاس، وبخاصّة أصحاب الضّمائر الحيّة والمشاعر الوطنيّة الصّادقة، التي يحزّ في
(1) - د. حامد الهوّال، السّخرية في أدب المازني، الهيئة المصريّة العامة للكتاب، القاهرة، سنة 1982م، ص: 44.