دراسات عن الأدب الجزائري الحديث محمد بن قاسم ناصر بوحجام

دراسات عن الأدب الجزائري الحديث

الجزء ١ · صفحة ١١٠

نفوسها، أن ترى وطنها، يعبث به الأعداء، في الوقت الذي يتقاعس فيه بعض أبنائه عن أداء واجبهم، ويتخلّون عن مناصرة العاملين ومؤازرة المجاهدين في نضالهم.

يتحسّر أبو اليقظان من هذه التّصرّفات، ويعرّض بأولئك الذي يقعدون عن أداء واجبهم، ثم يدّعون بأنهم قد أدّوه؛ حين يكتفون بتقديم كلمة شكر وكلمة طيّبة للعاملين، ممّا يعدّ من معسول القول، دون التّحرك للإعانة في تحمّل المسؤوليّة، ولو بأداء ما عليهم من الاشتراك في جريدة، يتحمّل المصلح أعباءها الماديّة والمعنويّة.

يقول الكاتب إنّي سمعت بعض النّاس يجهرون بأصواتهم، ويحمدون الله على تأدية واجبهم نحو جريدتنا: "فسألت أحدا عن ذلك، فقال ألم أقل لكم في كلّ مناسبة: (أحسنتم) وهنا بقيت حائرا، وقلت لعلّ هذه الكلمة تصرف بمقدار عند أحد التّجار الكبار أو البنوك. وهنا ذهبت إلى (البانكة) ودفعت ورقة في (القيشي) مكتوبا عليها (أحسنتم)، فغضب (الكيسي) غضبا شديدا، فدُهشتُ قائلا: أعوذ بالله من الأزمة، حتّى صارت كلمة (أحسنتم) تصرف عندهم بثمن الاشتراك، والأمر لله "(1).

التّعريض يبدو في هذا الاستفهام، الذي كان باعثه الاندهاش والتّعجب من هذا التّصرّف (ألم أقل لكم؟ .. ) وفي التّبالُه والتّجاهل (لعلّ هذه الكلمة .. ) وفي الحديث النّفسي، الذي دار داخل نفس الكاتب. وفي هذا الأسف الذي يكشف عن قمّة الحسرة والأسى اللّذين ملآ قلب الكاتب (أعوذ بالله من الأزمة .. والأمر لله). ثم في اللّجوء إلى استعمال كلمات غير عربيّة (البانكة banque): المصرف، (القيشي guichet): كوّة أو نافذة التّذاكر. (الكيسي caissier): أمين الصّندوق. هذا الاستعمال هو خروج عن مألوف الكاتب، بل عن المألوف بعامّة. لجأ الكاتب إلى هذا ليعبّر ويفصح عن الحالة النّفسيّة غير الطّبيعية التي كان عليها.

يعرّض الكاتب نفسه – متحسّرا متألّما- بالظّلمة والمستبدّين، الذين أذلّوا الشّعب الجزائري وقهروه، وذلك باقتراحه على الجمعية السّياحيّة الأوروبيّة، التي طلبت

(1) - "أحسنتم" (د. إ) جريدة البستان، ع:1 (27/ 04/1933م) النّصّّ لأبي اليقظان.

١٠٦ / ٤٠٤