دراسات عن الأدب الجزائري الحديث
الجزء ١ · صفحة ١١يبدو الكاتب - من خلال هذا التّصوير – مفجوعًا فعلاً، وهو ما حمله على أن يصف الصّهيونية بأنّها استعمار من طراز جديد، لم يجد له مثيلاً ولا شبيهًا، وقد توفّر على خصائص ومميّزات، تفوّق بِها على غيره من أشكال الاستعمار المعروفة في العالم … في هذا التّعبير والتّصوير جانب نفسي مهمّ، يكشف عن الأسى والحزن اللّذين يملآن قلب الكاتب، ويُبينُ عن القلق والتّذمّر اللّذين يغمران نفسه، ويظهر الشّعور بوطأة الهيمنة الصّهيونية على نفوس العرب، وعلى أراضيهم وممتلكاتهم.
زيادة على ذلك، حاول الكاتب الشّماتة والتّعريض باليهود، وذلك بذكر مخازيهم، ونسبة الصّهيونية إلى الاستعمار، والتّأكيد على تفوّقها عليه. أفادت ذلك العبارة الآتية: (في أسلوبه ودواعيه، وحججه وغاياته). كما أنّ في حرص الكاتب وصف الصّهيونية بالمادية في تفكيرها وسلوكها دليلاً آخر على هذا الضّجر والقلق والشّماتة باليهود …
تطوّرت قضيّة فلسطين، وتفاعلت أحداثها، ثمّ جاء قرار التّقسيم، فكانت الفاجعة الكبرى، التي أنكأت الجرح. كتب محمد البشير الإبراهيمي مصوّرًا مضاعفات هذا الحدث؛ مبتدئًا بالشّكوى من ظلم الغرب وحيفه وقُسوطه. قدّم هذا في ثوب تهكّمي، موشًّى بالحزن؛ سعيًا منه إلى التّنفيس عن النّفس ما بها من كمد، وذلك في أضعف الإيمان: " … وتكشّف ذلك اللّبس الذي دام عشرات السّنين عن الحقيقة البيضاء، وهي أنّ حقّ الشّرق، لا وليّ له في الغرب ولا نصير، وجاء بِها المجلس الذي يسمّونه – زورًا – مجلس الأمم المتّحدة شنعاء لا توارى، من أحكام القاسطين وأخلاق الطّامعين."(1)
تابع الكاتب وصف قرار التّقسيم، والكيفيّة التي مرّ بها، فبيّن أنّ المناقشة دارت حول من هم أحقّ بأرض فلسطين: العرب أم اليهود، فظهر الحقّ بأدّلته الواضحة، وانكشف الباطل بدعاويه المقطوعة من أدلّتها " وأنصت التّاريخ ليسجّل
(1) - المصدر ا لسّابق، ص: 488.