دراسات عن الأدب الجزائري الحديث محمد بن قاسم ناصر بوحجام

دراسات عن الأدب الجزائري الحديث

الجزء ١ · صفحة ١٢

الشّهادة، واستشرف الكونُ لينظر هل تُخرَقُ للأقوياء عادة، ونُشرَ الأصلُ والدّعوى، وتعارضت البيّنة والشّبهة، وأفصح الحقّ، ولجلج الباطل وافتضح، ولكنّ تلك الدّول المتّحدة على الباطل ألجمها الحقّ بحججه، وأَجَرّتها الحقيقة بوضوحها، فحكّموا الانتخاب."(1)

اختار الكاتب لهذه الوصفة المفصحة عن الحزن والضّجر نسيجًا من العبارات الموحية، والرّاسمة ظلالاً من المعاني والمشاعر. فالتّاريخ ينصت بوعي ويقظة تامّين؛ ليسجّل شهادته عمّا يتمخّض عنه النّقاش والجدال، وتطلّع الكون واشرأبّ، واتّخذ لنفسه مكانًا عاليًا، يراقب منه ما يسفر عنه الصّراع والنّزال في القضيّة، منتظرًا هل تحدث المفاجأة، ويهزم الأقوياء؟ بسبب وهن حججهم، وضعف أدلّتهم فيما يدّعون، متسائلاً هل ستخرق العادة التي تعطي الحقّ للقويّ، مهما تكن أدلّته ودعاويه؟

في هذا التّساؤل سخرية وحسرة في آن واحد، إذ بالرّغم من تعارض البيّنة من أهل الحقّ، مع الشّبهة من أهل الباطل، واتّضاح الحقيقة وافتضاح ما هو مزوّر، فإنّ تلك الأمم المدحورة بالحجج، اتّحدت في باطلها، فقرّرت الانتخاب وإجراء التّصويت.

تساءل الكاتب ثانية عن جدوى الانتخاب، ونتيجته معروفة مسبقًا؛ إذ هي في صالح من له وليّ ونصير ومحامٍ في الهيئة التي تشرف على الانتخاب، بينما الشّرق الذي لا وليّ له ولا نصير، فمآله الخذلان: " وليت شعري، أيّ موضع للانتخاب هنا؟ إنّ تحكيم الانتخاب هنا كتحكيم القرعة بين أصحاب الحظوظ المتفاوتة، كصاحب العشر مع صاحب النّصف، كلاهما باطل، ولا يسيغه عقل ولا شرع، وأيّ فرق بين ما نعيبه من تحكيم الجاهلية الأزلام الصّمّاء وحصى التّصافن، وبين تحكيم أصوات من أموات، وويلات سمّوهم ممثّلي دويلات"(2)

(1) - المصدر نفسه.

(2) - المصدر السّابق، ص: 489.

١٢ / ٤٠٤