دراسات عن الأدب الجزائري الحديث محمد بن قاسم ناصر بوحجام

دراسات عن الأدب الجزائري الحديث

الجزء ١ · صفحة ١٣

يسخر الكاتب من هذه الدّول المتّحدة على الباطل، ويعيب عليها لُجوءَها إلى الانتخاب؛ تحايلاً ومراوغة، بعد أن انهزمت أمام الحقّ، الذي أبان عن مستحقّ الأرض.

لكي يفصح عن هذه المهزلة، ويكشف عن مدى احتقاره هؤلاء النّاس، نسب فعلهم إلى عمل الجاهليّة، الذي يحتكم إلى الأزلام الصّمّاء والحصى الجامدة، وهو ما يُبين عن تخلّف في العقل، وأفنٍ في الفكر، إذ ما يزال ناس القرن العشرين يعيشون ويحيون حياة الجاهليّة، التي يعيبون عليها السّفاهة والحمق والجهل. حتّى ولو كان هذا التّهكّم لا يعني شيئًا بالنّسبة للدّول القاسطة الجائرة في حقّ الشّرق؛ لأنّه تعييرٌ بما لا يؤثّر فيها، إلاّ أنّه يبقى أثرً نفسيًا، صدر من الكاتب، يعبّر عن حالة الأسف والتّحسّر، يخفّف – ولو قليلاً – الكمد الكامن في قلبه، الكائد له.

يظلّ الألم يعتصر قلب الكاتب، والبرحاء يتضخّم فيه – رغم محاولاته إخراجه والتّخلّص منه – كلّما تطوّرت قضيّة فلسطين، وكلّما تأمّل في خفاياها، وتظلّ مشاعره تضطرم وتتفاعل مع نفسه، كلّما عرض حال المسلمين، وتجاوبهم مع القضيّة، الذي هو - في عمومه – تجاوب لا يتناسب مع خطورتها وخطرها.

سجّل الشّيخ البشير الإبراهيمي ما تفضّل به المسلمون من جهد وعمل في صالح القضيّة الفلسطينيّة، وفي مواجهة قرار التّقسيم، وقد كان ذلك كلامًا وخطبًا وآراء، لا تسمن ولا تغني من جوعٍ. قال متأوِّهًا: " أيّها العرب، قسّمت فلسطين، فقامت قيامتكم، وهدرت شقائق الخطباء، وسالت أقلام الكتّاب، وأرسلها الشّعراء صيحات مثيرة، تحرّك رواكد النّفوس، وانعقدت المؤتمرات، وأقيمت المظاهرات … "(1)

إنّ الكاتب، من خلال هذه الكلمات، وهذا الوصف يدغدغ عواطف الكتّاب بشيء من التّهكّم اللّطيف، الذي هو عتاب رقيق لهم، على مواقفهم وتحرّكهم، الذي

(1) المصدر السّابق، ص: 490. ينظر أيضًا ص: 487.-

١٣ / ٤٠٤