دراسات عن الأدب الجزائري الحديث محمد بن قاسم ناصر بوحجام

دراسات عن الأدب الجزائري الحديث

الجزء ١ · صفحة ١٢٨

يشير – هذا الرّجل المتخيّل - إلى إحدى هذه النَّتائج الوخيمة: «أنتم تفكِّرون في تعليم المرأة، فَلِمَن تعلِّمونها؟ لي أنا الرَّجل الجاهل لِيقعن لها ما يقع للعالِم الضَّعيف المغلوب من الجاهل القويِّ الغالب؟ ومن يعلِّمها؟ أنا الجاهل! كيف أترك نفسي وأعلِّمها؟».

أسئلة مهمَّة وأساسية يقدِّمها ابن باديس (على لسان الرَّجل المتخيّل) في هذا المجال، تُحدِّد الأولويَّة في الإعداد والتَّعليم، فالرَّجلُ والمرأة مَعْنيَّان بالتَّعليم، لكنَّ البداية يجب أن تكون من الرَّجل؛ لأنَّه هو الذي يعلِّم المرأة ويثقِّفها، فكيف يعلِّمها جاهل؛ ففاقد الشَّيء لا يُعطيه كما يقال؟ وكيف يهتمُّ الرَّجل بغيره، وينسى نفسه؟ يقول أحمد شوقي:

يا أيُّها الرّجلُ المُعلّمُ غيرَهُ … هَلاَّ لِنَفْسِكَ كانَ ذَا التّعليمُ

بل إنَّ ابن باديس ينبِّه إلى نقطة مهمَّة، هي من إفرازات التَّربية غيرِ المؤسَّسة على قواعد سليمة؛ إنَّها مشكلةُ وقوع الجاهل القويِّ الغالب - بالقوَّة والطَّبيعة - تحت رحمة العالِم وسيطرته - بحكم الواقع - العالمِ الضَّعيفِ المغلوب بالفطرة.

إنَّ هذه الوضعيَّة تُنتج إفرازاتٍ وخيمةً على المجتمع؛ فهي إمَّا أن تحُدث صدامات وصراعات بين الطَّرفين: المرأة والرَّجل؛ بسبب مطالبة كلّ طرفٍ بالقِوامة والقيادة في الأسرة: المرأة بما تعيشه واقعا ملموسا، وبما هيَّأَهُ لها الظَّرف بحكم تكوُّنها وتعلُّمها، إذ لا ترضى لها نفسُها أن تكون تحت رحمة جاهلٍ، أو امْرئٍ غَيرِ متعلِّمٍ يُسِيء إليها ويظلمها، وقد تشعر بالإهانة أصلا، وهي تنقاد لجاهلٍ وهي المثقَّفة المتعلِّمة. والرَّجل يتمسَّك بالقِوامة والقِيادة والتَّصرُّف المطلق في المنزل؛ استنادا إلى الحقِّ الذي منحه إيَّاه الشَّرع، ولو كان جاهلا بكيفيَّة تأدية الواجب الذي يقابل هذا الحقَّ.

١٢٣ / ٤٠٤