دراسات عن الأدب الجزائري الحديث محمد بن قاسم ناصر بوحجام

دراسات عن الأدب الجزائري الحديث

الجزء ١ · صفحة ١٣٠

موضوع الرَّجل الذي يشكو وَهنا في تفكيره، وضعفا في شخصيّته، وانحرافا في سلوكه، وقد تناولَه في نواحيه الثَّلاثة: رجولته، إسلاميّته، جزائريَّته. في الحقيقة إنَّ هذه النَّواحِيَ الثَّلاثةَ هي ما حاول الاستعمار الفرنسيُّ تهوينها في الفرد الجزائريِّ حتَّى يسيطر عليه؛ وهي الجوانب التي تستهدف في الإنسان للقضاء عليه وعلى شخصيّته.

فإذا أُصيب في رُجولته فَقَدَ السَّيطرة على نفسه، والتَّحكُّم فيمن هو تحت كفالته ورعايته، وإذا أُصيب في إسلاميّته فَقَدَ شخصيّته وأصالته وانتماءه، وإذا أصيب في جزائريّته فَقَدَ الحماسة لوطنه وحبَّه لترابه ولِذَوِي قرباه.

ما المشاكل الَّتي نعيشها اليوم؟ وما الهزَّات التي نتعرَّض لها حاليا؟ وما الانتكاسات النَّفسيَّة التي نمرُّ بها في زماننا هذا؟ وما هذا النُّفور الذي يحصل بيننا؟ وما هذا الصِّراع الدَّامي والدَّمويُّ الذي ما يفتأ يتنامى فينا؟ وما الإهانات التي ما نبرح نتلقَّاها من غيرنا؟ وما … وما … كلُّ ذلك ما هو إلاَّ نتائج لما أُصِبنا به في رجولتنا وإسلاميّتنا وجزائريّتنا، فكيف عالج الشّيخ عبد الحميد بن باديس هذه النَّواحي الثَّلاثة؟ وماذا يمكن لنا أن نستفيده - نحن - من هذه المعالجة؛ بما يُعيننا على حلِّ مشاكلنا التَّربويَّة الحالية، واتِّقاء نكساتنا النَّفسيَّة الآنية، وتجنُّب هزَّاتنا الاجتماعيَّة الرَّاهنة؟ … هذا ما نحاول معرفته واستنتاجه من خلال هذا العرض والتَّحليل.

1 ـ الرَّجل: يقول ابن باديس: «خُلِقَ الرَّجُل قَوِيًّا مُتَهَيِّئا بما مُنح من القوَّة للقيام بما يقتضيها من عظائم الأمور، وجلائل الأعمال للإنسانيَّة التي هو فرد منها، للوطن الذي هو من نبَاته، وللبلد الذي هو من سُكَّانه، للبيت الذي هو رئيسه».

ذكر ابن باديس أنَّ الرَّجل قويٌّ، إنَّ هذه الصِّفة التي أُعطيَها تدعوه إلى تسخيرها في القيام بعظائم الأمور وجلائل الأعمال، لمن؟ لكلِّ الإنسانيَّة من دون تمييز؛ لأنَّ في ما منحه الله من المنح والنِّعم (عبر عنها بالقُوَّة) - التي تجعله يتميَّز بها عن غيره، ويتفوَّق عليه - حقًّا لكلِّ من يدبُّ على وجه الأرض أن يستفيد منها، حسب ما

١٢٥ / ٤٠٤