دراسات عن الأدب الجزائري الحديث
الجزء ١ · صفحة ١٣١يستطيع هذا الممنوح له هذه القوَّة أو هذه النِّعم أن يقدِّم من أعمال وخدمات؛ لسبب بسيط يذكره ابن باديس هو: لأنَّ هذا المميَّز والمنحول هذه النِّحلة هو فردٌ من هذه الإنسانيَّة.
ثُمَّ يشير إلى الجهات التي يجب أن تنتفع بهذه القُوَّة، الذي هو واجب مقابل حقٍّ؛ حتَّى يكون لهذه المنحة تبرير، وحتَّى لا يكون ما خلق الله وما أعطى عبثا: ﴿أَفَحَسِبْتُم أنَّما خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأنّكُمْ إِلَيْنَا لا تُرْجَعُونَ﴾ (المؤمنون/ 115). هذه الجهات هي: «للوطن الذي هو من نباته، وللبلد الذي هو من سكَّانه، وللبيت الذي هو رئيسه».
ألم يُقِم ابن باديس الحجَّة على كلِّ شخص مُتِّع بهذه القوَّة (وهي ما أُعطِيَ ومُيِّز به) إنْ هو قصَّر ولم يقم بواجب إشراك النَّاس في الخير الذي خصَّ به؟ ألم يُنَبِّه الخلقَ إلى مسؤوليّتهم في الحياة؟ مسؤولية قيام كلِّ فرد بواجبه، نحو كلِّ من بمتُّون إليه بصلة ورابطة؟ …
ألا يتمُّ بهذا الفهم الصَّحيحِ للواجب التَّعاونُ والتَّكافلُ؟ ويعمُّ الرَّخاء، وينتشر العدل؟ ويسود الأمن والطُّمأنينة؟ ويستشعر النَّاسُ الثِّقة فيما بينهم؟ بلى! حين يُؤدِّي كلُّ فرد لبيته ولبلده ولوطنه وللإنسانيَّة قاطبةً ما عليه من واجب نحوها، وما لها هي من حقٍّ في هذه القوَّة تنقص المشاكل، وتحلُّ محلَّها السَّعادةُ.
على كلِّ عاقلٍ أن يتأمَّل في هذه المقُولة، ويرتِّب النَّتائج بعد ذلك، ثمَّ يقارن بين ما يسودنا اليوم، وما يحكمنا وما يسيِّرنا وما ينصرف ويتصرَّف منَّا وفينا وعنَّا .... وبين ما ينتج عمَّا أشار إليه ابن باديس؛ لنقوّم هذا التَّوجيه، ثُمَّ لنقف على مكمن أخطائنا وانزلاقاتنا، ثمَّ لنعرف أَمَا نزال في حاجة إلى توجيهات ابن باديس وأضرابه أم نحن في غنًى عنها؟
بعد ذلك يخصُّ ابن باديس الأسرة بتوجيهٍ خاصٍّ انطلاقًا من معنى الرُّجولة، ودورِ الرَّئيس فيها؛ فيشير إلى ناحية من نواحي الامتياز عند الرَّجل، الآتية من القوَّة الممنوحة له؛ وهي القِوامة التي هي له حقٌّ، مقابل واجبٍ عليه أن يقوم به: {الرّجالُ