دراسات عن الأدب الجزائري الحديث محمد بن قاسم ناصر بوحجام

دراسات عن الأدب الجزائري الحديث

الجزء ١ · صفحة ١٣٣

للرَّجل.

وما تطاوُل المرأة على الرَّجل، وما عدمُ احتفاء الأولاد بالوالد، وما تجرُّؤُ الأبناء على الأب، وما شعور النَّشء بالحرِّيَّة المطلقة في أن يقولوا ما يشاؤون، ويلبسوا ما يريدون، وأن يمشوا إلى حيث يرغبون … من دون تلقِّي توجيهات واستقبال مواعظ. وما حدث كلُّ ذلك إلاَّ لضعف هذا العنصر (القوامة) أو انعدامه أحيانا في بعض البيوت؛ وهو ما ورّث فسادا في الأخلاق، وانحرافا في السُّلوك؛ لذا اشتدَّ قلق الأولياء من تصرُّفات أولادهم وتذمُّرهم من أعمالهم، وكثر شكواهم من التَّعب في تربيتهم. كما أنَّ هناك مَنْ يُبدي ضجره من تبذير زوجه وأبنائه في المعاش والملبس … ومنهم من يشتكي من تصرُّفات الزَّوج التي تأتي على حساب القيام بشؤون البيت، وعلى حساب الدّين أحيانا، ومنهم من يُكثِر من إظهار تضايقه من التَّدخُّل السَّلبيِّ للمرأة في تربية الأبناء. كلُّ ذلك حصل ويحصل نتيجة ضعف شخصيَّة الرَّجل وانحسار سلطته؛ أي فقد قوَّته، وبذلك فقد رجولته وسيادته.

إنّ من سُلِبَ هذه السِّيادة في البيت فَقَد السِّيادة في قومه ومجتمعه، يقول ابن باديس: «فهو (أي الرَّجل) السَّيِّد في بيته ليكون سيِّدًا في قومه، والسِّيادة الحقيقيَّة إنَّما هي بالنَّفع والعمل المنتج، فسيِّد البيت هو الأكثر عملا، والأجلبُ نفعا له في سبيله؛ فالسِّيادة حظُّ العاملين على درجاتهم في الأعمال».

لقد رتَّب ابن باديس على عنصر القِوامة، والتَّمتُّع بالسِّيادة الكاملة في البيت نتائج خطيرة (مهمَّة) ممَّا يستلزم التَّفطُّن لها؛ لأنَّها تعبِّر عن حقيقة القوَّة في الرَّجل، وعن حقيقة شخصيَّته؛ فالرَّجل السَّيِّد في بَيْتِهِ يكون سيِّدًا في قومه، وحين يكون كذلك ينتج عملا صالحا، ويكون أكثر نفعًا لمجتمعه؛ لأنَّه يكون أكثر جدِّيَّة وإخلاصا وحرصا على العمل المفيد، وأوفر مبادرة وتضحية من أجل الوطن.

هكذا نرى، أنَّه حين تُطبَّق التَّعاليم الدِّينيَّة، ويتمسَّك بما في القرآن والسُّنَّة من التَّوجيهات والإرشادات، وحين يوجد من يبلِّغُها ويوضِّحها للنَّاس ويشرحها شرحا

١٢٨ / ٤٠٤